ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليصل إلى كل ما أشاهده وأسمعه، وأصبح يرافقني شغف دائم بتحويل تلك الأفكار إلى صناعات إعلامية هادفة، تتشكّل من خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتُولَد في فضاء رقمي بحت.
وفي خضمّ هذه المحاولات المستمرة والأفكار المتجددة، وصلني إشعار من صحيفة "اليوم" الإلكترونية بتوفّر نسخة رقمية جديدة، تحمل بين صفحاتها مقالات لأقلام واعدة وموضوعات شيّقة، وقرأتُ مقالًا بعنوان: "كيف يهدأ الإعلاميون؟"، فأثار بداخلي عشرات الأسئلة التي شكّلت حاجزًا مؤقتًا بيني وبين ما كنت أفعله، هل يمكننا، كإعلاميين، أن نهدأ وسط هذا التسارع الأبدي للعالم من حولنا؟ وماذا لو قرّر جميع الإعلاميين التوقف فجأة لالتقاط الأنفاس؟ من سيوثّق الرحلة؟ يروي النجاح؟ يسرد القصة؟ يصنع المشهد؟ وينقل الحدث؟
وبين سؤالٍ وآخر، مرّ أمامي شريط ذكرياتي في الميدان الإعلامي، كيف كنتُ أجري لقاءات ميدانية في عزّ الظهيرة، وأحرّر خبرًا صحفيًا في مكان يعمّه الضجيج وترتفع فيه الأصوات؟ وكيف التقطت صورًا احترافية أدعم بها المادة الإخبارية؟ ولا يتوقف شريط الذاكرة هنا، بل كيف كنتُ أبحث بين جموع الناس عن معزل هادئ أختلي فيه، حتى أتمكن من صناعة محتوى يليق بي أولًا، وبمن آمن بقدراتي ثانيًا.
وفي أثناء استذكاري لتلك المحطات التي شكّلتني تشكيلًا رضيته، وعاهدت نفسي ألّا أكون في الغد أقلّ معرفة ولا أضعف قدرة من شخصيتي الحالية، وهذا ما دفعني للاستمرار في اكتساب المعارف وتطوير المهارات.
هكذا أمضيت -وما أزال، بفضل الله - مسيرتي المهنية؛ عملٌ يتبعه عمل، ومهارة تردفها أخرى، وخبرة تُبنى فوق خبرة، حتى وجدت نفسي يومًا أمام أمرين أحلاهما مرّ: هل أستمر في العمل وأُهمل صحتي؟ أم أتوقف لأعتني بنفسي ثم أعود إلى الميدان مجددًا؟
ولأن المؤمن الفَطِن لا يُلدغ من جحرٍ مرتين، اخترتُ صحتي، وتوقفت عن العمل لفترة، لكنّ هذا التوقف كان أقرب إلى "الاختناق" منه إلى "الهدوء"، فالشخص الذي اعتاد العمل، حين يتوقف، يشعر وكأن الحياة ترتطم به من الوراء.
فكيف لنا أن نهدأ في فضاء لا يعرف للهدوء سبيلًا؟ وكيف نهدأ ونحن نمارس مهنة شقينا بها بقدر ما شغفنا بها؟ وبالمناسبة، هل الإعلام فعلًا "مهنة المتاعب"؟ أم أنها كغيرها من المهن، لكن العالم جعلنا ننظر إليها بنظرةٍ غير نظرتها الفعلية، نظرة تفوق المثالية إزاء حجم التوقعات العالية والتطلعات الكبيرة التي نتوقعها من ممارسيها؟


