كنتُ محظوظًا بأن أكون أحد المتحدثين في جلسة نوعية جمعتني مع د. عبدالعزيز المطيري، أحد أبرز علماء الذكاء الاصطناعي في المملكة، حيث قدّمنا محاضرة مشتركة بعنوان: الذكاء الاصطناعي والصناعة، من التمكين إلى التصنيع المُدرك، لم تكن المحاضرة عرضاً تقنياً فقط، بل كانت حواراً حيّاً عن روح الصناعة الجديدة، تلك التي لا تُبنى فقط على الحديد والمكائن، بل على الخوارزميات، والبيانات، والقرارات الذاتية التي تصنعها الأنظمة بنفسها. كانت القاعة تغصّ بالمهتمين من صناعيين، باحثين، وطلاب، جميعهم ينهلون بشغف من ذلك التداخل غير المسبوق بين العقل الاصطناعي والمصنع البشري.
في تلك اللحظة، شعرت أني لست مجرد متحدث، بل شاهد على زمنٍ يتحوّل، وشرقيّةٍ تُعيد كتابة دورها الصناعي في خريطة المملكة... بل وفي خريطة المنطقة بأكملها.
من كان يظن أن المنطقة التي كانت ذات يوم محطةً للغوص وصيد اللؤلؤ ستتحول إلى محورٍ عالمي للقرار الصناعي؟ من كان يتخيّل أن شواطئ الشرقية التي تلامس الخليج بهدوء، ستصبح يوماً المنصة التي تُطلق منها الرؤية، وتُصاغ على ترابها التحولات الكبرى في الصناعة الوطنية؟ انها قصة الكبرى التي تتكامل مع باقي القصص السعودية المتفردة..منتدى الصناعة السعودي لم يكن فعالية عابرة ولا حدثاً دعائياً يُضاف إلى أرشيف الصور.. بل كان إعلاناً صريحاً أن المملكة قررت أن تفتح المستقبل من بوابة الصناعة، وأن المنطقة الشرقية هي المفتاح. ما حدث في الظهران أكثر بكثير من مجرد منتدى، بل لحظة مفصلية في رحلة التحول السعودي. شهدنا توقيع اتفاقيات تتجاوز تسعة مليارات ريال، وحضوراً نوعياً من قادة السياسة والاقتصاد والصناعة، وظهوراً لافتاً لمنصات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، وانعقاد جلسات حوارية تُشبه مجالس القرار السيادي لا مجرد مؤتمرات. كل شيء كان يوحي بأننا لم نعد نتحدث عن الصناعة كقطاع، بل كهوية وطنية.
لقد ظهرت الشرقية في أبهى صورها.. لا كمكان، بل كرسالة. فهذه الأرض، التي طالما كانت منجم النفط الأول، أصبحت اليوم أرض الأفكار النوعية، وميدان التجريب الاقتصادي، ومرآة الرؤية التي تُنبت التغيير من رحم التخطيط وليس من فوضى الصدفة. القائمون على المنتدى يستحقون الإشادة لا فقط لحسن التنظيم، بل للوعي الكامل بأن الصناعة ليست مصانع فقط، بل شبكة من القرارات والمهارات والبنى التحتية والموهبة والتمويل والانفتاح على المستقبل. ولعل أروع ما في المنتدى لم يكن ما عُرض، بل ما لم يُقال: الثقة الهادئة بأن السعودية تتحول من بلد نفطي إلى دولة صناعية ذات سيادة رقمية ومرونة اقتصادية قادرة على المنافسة والابتكار والقيادة.
في كل زاوية من المنتدى، كان المستقبل حاضراً. من النقاش حول الذكاء الاصطناعي في الإنتاج، إلى الأثاث المحلي المصمم حسب الطلب، إلى السيادة في سلاسل الإمداد.. كان المشهد واضحاً: الصناعة ليست فقط محرك النمو، بل درع الاستقلال الاقتصادي والسياسي القادم.
والشرقية؟ لم تكن خلف الستار، بل كانت المسرح كله. هذه البقعة التي عاشت دوماً على تماس مع البحر والحدود، لم تُجامل الجغرافيا، بل استخدمتها. لم تُغلبها التحديات، بل صنعت منها حوافز. واليوم، تعود إلى مركز الدائرة، لا كمجرد مزوّد طاقة، بل كمُصمم للمستقبل.
ختاماً.. جنة الصناعة.. قبل أن تُكتشف كانت في الشرقية، واليوم.. تُدير المستقبل منها.
[email protected]



