إن وجود آلاف المشجعين للكرة المستديرة من ذوي الثقافات والعرقيات المختلفة على أرض المملكة للاستمتاع بمشاهدة البطولة المزمع البدء في فعاليتها خلال عام 2034 يحتاج -حتمًا- إلى إدارة رشيدة للفعاليات، وتنظيم محكم لاستقبال هذه الوفود الغفيرة، ورسم خطط وإرشادات دقيقة تضمن انسيابية الإجراءات، وسلاسة الأداء، وتحقيق تجربة ضيافة متميزة تعكس الصورة المشرفة للمملكة، والمكانة الإقليمية والدولية التي تبوأتها، ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى تكاتف كافة مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية، وتكريس الجهود في سبيل إنفاذ هذه الغاية الكبرى، في هذا الإطار بوسع المنظمات غير الربحية أن تلعب دورًا رئيسًا في تسهيل التنظيم، عبر تقديم الدعم اللوجستي، وتوفير المتطوعين المؤهلين للإسهام بكفاءة، وتطوير برامج تدريبية متخصصة للمتطوعين لضمان جاهزيتهم؛ مما يعزز نجاح الحدث، ويعكس سمعة المملكة في تنظيم الفعاليات العالمية.
ومن الطبيعي أن يكون توافد ملايين المشجعين من أنحاء العالم على البلد المضيف مصحوبًا بارتفاع مستويات الاستهلاك والنفايات؛ الأمر الذي يستوجب حلولًا مبتكرة وغير تقليدية لضمان الحد من الأثر البيئي؛ لذلك لا ينبغي أن يقتصر دور المنظمات غير الربحية على الجانب اللوجستي فحسب، بل يجب أن يمتد إلى تعزيز الاستدامة البيئية، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل الاهتمام العالمي المتزايد بحماية البيئة، فضلًا عن إطلاق حملات توعوية حول أهمية تقليل النفايات، وتعزيز استخدام الطاقة المتجددة في الملاعب والمرافق، إلى جانب دعم مشاريع إعادة التدوير؛ مما يجعل كأس العالم 2034 نموذجًا يُحتذى به في تنظيم الفعاليات المستدامة.
وبطبيعة الحال، فإن كأس العالم لكرة القدم لا يقتصر على فعاليات المباريات فقط، بل هو فرصة سانحة وفريدة لتعزيز التبادل الثقافي بين الجماهير المختلفة، ومن خلال الفعاليات المرافقة، وتماشيًا مع ذلك يتعين على المنظمات غير الربحية اغتنام المنصات الرقمية في التدشين للحدث واستقطاب المتطوعين، لاسيما وأن كثيرًا من البحوث والدراسات تشير إلى ارتفاع معدل استخدام الشباب السعودي لمواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي؛ لهذا يمكنها تعزيز حضورها الرقمي على هذه المنصات؛ للترويج عن المبادرات والفعاليات، وزيادة مستوى الوعي الشبابي بأهمية الحدث الرياضي الوشيك، وحجم التحديات القائمة، إضافة إلى التركيز على ضرورة إشراك الشباب واجتذاب المتطوعين الموهوبين منهم.
ومن الجوانب المهمة الأخرى، دور المنظمات غير الربحية في تعزيز المسؤولية الاجتماعية للشركات، فمن خلال التنسيق مع المؤسسات المجتمعية والجهات الراعية يمكن لهذه المنظمات أن تساهم في ضمان توجيه جزء من العائدات نحو مشاريع تخدم المجتمع المحلي، وتمويل مبادرات تترك إرثًا مستدامًا، مثل: تطوير البنية التحتية، ودعم التعليم، وتحسين الخدمات الصحية، بحيث لا تكون البطولة حدثًا عابرًا، بل نقطة انطلاق لتنمية طويلة الأمد.
ورغم الأثر الكبير لهذه المنظمات، إلا أنها تواجه عدة تحديات، أبرزها الحاجة إلى تمويل مستدام يضمن استمرارية أنشطتها خلال الحدث وبعده، إضافة إلى ضرورة التنسيق الفعّال مع الجهات الرسمية لضمان تكامل الجهود، كما يشكل ضمان استدامة المشاريع بعد انتهاء البطولة تحديًا رئيسًا هو الآخر، إذ يجب أن تبقى المبادرات البيئية والاجتماعية نشطة لسنوات، مما يتطلب استراتيجيات واضحة لضمان استمرار تأثيرها الإيجابي.
وفي هذا السياق أكد خبراء الرياضة والاقتصاد أن استضافة السعودية لبطولة كأس العالم «فيفا السعودية 2034»، ستعود بالمكاسب الضخمة على المملكة، وستعزز من مكانتها على خارطة السياحة العالمية، بما تمتلكه من بنى تحتية مؤهلة، وفنادق فاخرة، ومقومات عديدة لاستضافة الحدث الكبير، وسط تنبؤات بمعدلات نمو اقتصادي واجتماعي تدوم لسنواتٍ عدة لما بعد الحدث؛ لذا كان من الأهمية بمكان أن تتضافر جهود كافة الفواعل السعودية، وتنسيق مواهب وقدرات الأفراد والمنظمات داخل المجتمع السعودي؛ لتكريس نماذج أدائية غير مسبوقة وفق رؤية المملكة 2030، والعمل في إطار تعاوني نحو غاية مشتركة وأهداف مرجوة، هي إنجاح الحدث، وإبراز الصورة المشرفة للمملكة.



