لم يعد الصحفي يختبئ خلف سطوره، ولا خلف مادته الصحفية، ولا حتى خلف أسئلته.
أصبح بعضهم يقف أمام الكاميرا أكثر مما يقف خلفها، يتحدث عن نفسه أكثر مما ينقل عن الآخرين، وينشر عن يومه وتفاصيله كما لو أنه المؤثر الأول.. لا الصحفي الأول.
اليوم، اختلطت الأدوار: بات من الصعب التمييز بين الصحفي وصانع المحتوى، وبين من ينقل الخبر ومن يصنع لنفسه «ترندًا». نرى من يغطّي الأحداث كما يغطّي حياته، ومن يوثّق لحظات الظهور أكثر مما يوثّق الوقائع.
في الماضي، كان يُعرف الصحفي من توقيعه.. لا من صورته، وكان التقدير يُبنى على ما يكتبه، لا على عدد متابعيه، السؤال هنا: هل فقدنا البوصلة؟ هل تحوّل الإعلام من مهنة لنقل الحقيقة إلى وسيلة لبناء الذات؟ وهل بات الحضور الإعلامي الشخصي أهم من الحضور المهني؟
أسئلة تُحرج المشهد، لكنها ضرورية، لست ضد أن يكون للصحفي وجود رقمي، بل على العكس.
أنا مع أن يمتلك أدواته، يُعبّر عن رأيه، ويُقرّب المسافات بينه وبين المتلقي. لكن، حين تتحوّل هذه المنصات إلى مساحات استعراض، وتتراجع فيها جودة المهنة مقابل بريق الظهور.. هنا تبدأ المشكلة.
فالمهنة لا تُبنى على من يظهر، بل على ما يظهره،نقطة !!.
الصحفي الحقيقي هو من يرى، يُنصت، يُحلّل، ثم ينقل.لا من يضع نفسه في منتصف الصورة، ويُقحمها في كل زاوية. قد يُقال: هذا عصر الانفتاح، وإن هذا تطوّر طبيعي.
لكن التطوّر لا يعني التخلّي عن القيم الأساسية: المهنية، الحياد، احترام خصوصية الخبر، ومسؤولية التأثير.. كلها أعمدة لا يجب أن تتهاوى أمام نزعة التجميل والترويج.
إذًا ما الحل؟ ربما نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مواثيق مهنية رقمية، تُعيد ضبط العلاقة بين الصحفي ومنصته، وتذكّره أن رسالته أسمى من مظهره. كما قال والتر ليبمان: «الصحافة هي أن تشرح المجتمع لنفسه»، لا أن تشرح الصحفي للمجتمع.
وأخيرًا، علينا كصحفيين أن نُعيد النظر: هل نحن نحمل صوت المجتمع؟ أم نحمل صورة أنفسنا فقط؟
هل نكتب لتُقرأ أفكارنا؟ أم لنُرى نحن؟. أدعو زملائي الصحفيين، أولئك الذين تاهوا في وسط الظهور، وتحوّلوا إلى أبطال مشهد لا يحتاج بطلاً، أن يتوقفوا لحظة... ويفكروا.
فلنعد جميعًا للصحافة معناها، قبل أن تفقد الصحافة ملامحها.



