في لحظة السقوط، وحين يتكالب عليك الإخفاق ويضيق الأفق، يخال المرء أن النهاية قد حلّت. غير أن التاريخ يثبت مرة تلو الأخرى، أن العظماء، لا يولدون في قمم المجد، بل يتشكّلون في أفران المحن. ليست البطولة في ألّا تسقط، بل، في أن تنهض، بعد كل سقطة، محمّلاً بالحماسة نفسها، وربما أكثر. ويكفي أن نتأمل في مسيرة أولئك الذين ترجموا الفشل إلى أعظم الإنجازات، لنفهم عمق العبارة: “النجاح، هو القدرة على الانتقال من فشل إلى فشل دون أن تفقد حماسك.” ولأن القيادة الحقيقية لا تُقاس بالمنصب بل بالتاريخ، نستعرض هنا ثلاث شخصيات خلدها العالم، لا لأنهم لم يُهزموا، بل لأنهم لم يستسلموا.
فمن الجدير بالذكر، أن محمد الفاتح، كان شغوفًا بفتح القسطنطينية منذ صغره. حلمٌ، بدا مستحيلاً، وبالرغم من أنه فشل في محاولة الأولى، وتكالب عليه التمرد الداخلي والتهديد الخارجي، لكن حماسه لم يخمد. بل أعاد ترتيب الجبهة، وابتكر وسائل قتالية جديدة، وجرّ السفن على اليابسة في مشهد أسطوري، حتى نجح في فتحها عام 1453، وهو في الحادية والعشرين.
ومن القارة السمراء، تبرز سيرة نيلسون مانديلا، الفتى المناضل الذي سُجن سبعةً وعشرين عامًا بسبب كفاحه ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فلقد قضى جل شبابه خلف القضبان، محاطًا باليأس، مطاردًا بالخذلان، حين كان بإمكانه أن يساوم ويخرج مبكرًا. لكنه أبقى على مبدأه، وحين خرج لم يخرج منتقمًا، بل قائدًا. انتُخب رئيسًا، وقاد بلاده إلى مصالحة وطنية شجاعة. إن مكانة مانديلا لا تكمن فقط في النصر، بل في البصيرة، والحماس الذي ظل يتوهج في قلبه بالرغْم من ظلام زنزانته.
وخلاصة الأمر، يمكننا أن نقول إن الفشل ليس عيبًا، بل في الاستسلام له. فهؤلاء القادة لم تمنعهم الهزائم من مواصلة الطريق، لأنهم رأوا في السقوط لحظة تفكير لا انسحاب، وفي الإخفاق نقطة انطلاق لا قيدًا.
ومن الجدير بنا أن نتعلم من سيرهم أن من أراد القمم لا يخشاها، ومن أراد التاريخ لا ينتظره، بل يصنعه. وللسير قدماً فيما تطمح إليه، ينبغي لك أن تحافظ على حماسك بالرغْم من الفشل؛ فالإصرار رأس مال المرء، ولا تجعل إخفاق اليوم يُعمِيك عن أفق الغد، وتابع القراءة في سِيَر من فشلوا أولاً، ونجحوا لأنهم لم يتوقفوا.
يقول الشاعر:
ومن يتهيب صعود الجبال.. يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ



