مشاعر الحيرة، فقدان الدافع، والإحساس بانعدام الجدوى أصبحت اليوم مألوفة بين شريحة واسعة من الشباب، رغم أن المؤشرات الظاهرة توحي بأن كل شيء متاح وأكثر من كافٍ.
هذا التناقض الظاهري يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بالبنية النفسية والاجتماعية للجيل الجديد، حيث لم تعد المشكلة في نقص الموارد، بل في فائضها، وفي غياب المعنى رغم وفرة الإمكانيات.
فحين يُترك الفرد أمام خيارات لا نهائية دون مرجعية واضحة أو إطار قيم مستقر، تتحول الحرية إلى عبء، ويغدو اتخاذ القرار فعلًا مرهقًا يحمل داخله سؤالًا مستمرًا: ماذا لو اخترت غير ذلك؟ وما الذي يُثبت أن خياري كان الأفضل؟
لقد فقدت الحياة إيقاعها البسيط الذي كان يمنح الأفراد نوعًا من الطمأنينة القائمة على التدرج والوضوح. لم يعد هناك مسارٌ اجتماعي واضح يتبعه المرء، بل أصبح مطلوبًا منه أن يُعيد تعريف ذاته في كل مرحلة، وأن يثبت باستمرار جدارته، وجاذبيته، وقيمته في عالم سريع الزوال، لا يمنح الاعتراف بسهولة.
وفي ظل ثقافة رقمية قائمة على الاستعراض والمقارنة، بات الفرد محاصرًا بصورة مثالية عن “النجاح” و”السعادة”، تُعرض عليه كل لحظة عبر الشاشات، وتدفعه إلى الشعور بالنقص، حتى وهو يحقق إنجازاته الخاصة.
المفارقة أن هذا الجيل الذي يعيش متصلًا على مدار الساعة، يعاني من وحدة داخلية متزايدة، وعلاقات اجتماعية أكثر هشاشة. فالاتصال المستمر لا يعني بالضرورة تواصلًا حقيقيًا، والمحادثات اليومية لا تعني عمقًا وجدانيًا. في كثير من الأحيان، يجد الشاب نفسه غريبًا وسط الحشود، عالقًا بين واقع لا يمنحه الانتماء، وعالم افتراضي لا يمنحه السند. وهنا يتغذى القلق الوجودي على هذا الفراغ، ويكبر مع كل محاولة لتجاهله أو إخفائه خلف إنجازات سطحية أو ترفيه مؤقت.
إن الجيل الجديد لا يحتاج إلى مزيد من الحوافز ولا إلى رفع سقف التوقعات، بل إلى استعادة المعنى، والاقتراب من الذات، والاعتراف بأن الشعور بالتيه ليس ضعفًا، بل إشارة على الحاجة إلى تأمل أعمق في كيف نعيش ولماذا نعيش. فما بين ضجيج الإنجاز وضغط المثالية، تاهت الأسئلة البسيطة التي كانت تمنح الحياة عمقها. وربما حان الوقت لنعود إليها، لننصت، لا لنُثبت شيئًا، بل لنفهم.
[email protected]



