وتُعد التطبيقات الاجتماعية من أبرز ما أُنشئ في بيئة الإنترنت كإحدى أدوات التواصل والتفاعل بين الجمهور، سواء كان ذلك مكتوبًا أو مرئيًا أو مسموعًا، وتتعدد استخدامات هذه التطبيقات وتتباين في سماتها حسب طبيعة مجالها، ومما لا شك فيه أنها تؤثر بشكلٍ أو بآخر في حياة الفرد الاجتماعية، ويعد تطبيق تيك توك من أشهر التطبيقات التي أحدثت طفرة كبيرة رغم حداثته النسبية، حيث أشارت الإحصاءات إلى تصدّر المملكة العربية السعودية في استخدام التطبيق عربيًا، ويعود ذلك إلى طبيعته التفاعلية التي تقدم للمستخدم تجربة اجتماعية ماتعة، يستطيع من خلالها مشاركة المعلومات وتبادلها، وبناء العلاقات، وتوثيق اليوميات والذكريات، بالإضافة إلى متابعة آخر المستجدات واكتساب الخبرات.
لكن، بعيدًا عن كل هذا الزخم الظاهر، دعونا نتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا: ما أثر هذه التجربة الرقمية على الوجدان؟ كيف يتشكل وعينا العاطفي ونحن نمرّ بمئات المقاطع في جلسة واحدة؟ كيف تنعكس هذه الانفعالات المتراكمة على إدراكنا لأنفسنا، وعلاقاتنا، وأسلوب تفاعلنا مع الحياة؟ كيف بإمكاننا أن نتحكم بالعاطفة المتقلبة الناتجة عن استخدامنا لهذا التطبيق؟ وهل ما يثيره من مشاعر مختلطة في فترة قصيرة يبدو صحيًا؟
في تطبيق مثل «تيك توك» لا يتحرّك الإصبع فقط، بل تتحرك المشاعر أيضًا، مقطع يضحكك، وآخر يحزنك، ثم مشهد ملهم، يليه محتوى ساخر، ثم حكاية محزنة، كل هذا يحدث في دقائق وهنا تظهر معضلة وجدانية غير محسوسة وربما غير محسوبة أيضًا: عندما تصبح المشاعر سريعة وسطحية، فإنها تفقد عمقها كأن «تيك توك» درّبنا على الشعور المؤقت، لا العاطفة المتأصلة، شخصيًا، أدركت تلك المعضلة مؤخرًا عندما لمست تأثير التطبيق على مشاعري، فتارة يرتفع هرمون سعادتي لأعلى مستوى، وتارة يهبط لما هو أدنى دون سابق إنذار.
في هذا الفضاء الرقمي، تُعرض المشاعر وكأنها محتوى، الضحك معدّ بعناية، والحزن يأتي على خلفية موسيقية مختارة، هذا لا يعني أن الناس يمثلون، بل يعني أن المنصة نفسها تفرض قالبًا معينًا للتعبير الوجداني، حتى أصبح الفرد يعيد إنتاج مشاعره بطريقة تُناسب عرضها أكثر من حقيقتها، وتكمن الإشكالية هنا في أن المستخدم يبدأ بعيش مشاعره وفقًا لما يُعرض عليه، لا وفقًا لما يعيشه فعليًا، وتبدأ طبقة رقيقة من الانفصال الوجداني بالتكوّن، بين ما يشعر به الإنسان فعلًا، وبين ما يتوقع أن يشعر به لأنه رأى آخرين يمرون به.
في ظل هذا التأثير المتزايد، تبرز الحاجة إلى وعي عاطفي رقمي، يعيد للفرد قدرته على التمييز بين الشعور الذي ينبت من داخله، والشعور الذي يُعرض عليه، نحتاج أن نتعلم كيف نستهلك دون أن نُستهلك، وكيف نُشاهد دون أن نفقد حسّنا النقدي، وكيف نحزن ونفرح ونندهش، دون أن نتساءل بعدها إن كان هذا الشعور «قابلًا للمشاركة» أم لا.
[email protected]



