لم تعد الدهشة فطرية، ولا الخيال واسعاً كما كان، الطفل الذي كان يصنع من الغيمة تنيناً، ومن العصا سيفاً، أصبح اليوم محاطاً بأجهزة تصور له الديناصور في الواقع المعزز، وتمنحه ألعاباً تفاعلية تملأ عليه الفراغ الذي كان يملؤه بخياله ، فمتى يحلم إذا كان كل شيء جاهزًا؟ ولماذا يتخيل وهو يملك محرك بحث يُريه كل ما يشتهي؟ التكنولوجيا التي جاءت لتفتح مدارك البشر بدأت تدريجياً تُغلق أبواب الخيال الحر، البرامج تعرض عليه صور كل ما يمكن تخيله، فيكتفي بالمشاهدة بدلاً من الاكتشاف، تسأله عن حلمه، فيخبرك باسم تطبيق وتسأله عن بطله، فيريك مقطع فيديو.
وفي العالم الناضج، تآكل الخيال بطريقة أكثر تعقيداً، الأفكار الجديدة صارت نادرة، والنماذج تتكرر حتى في أكثر الصناعات الإبداعية المفترضة.
السينما تعيد إنتاج نفس القصص بمؤثرات أحدث. الروايات تدور في فلك المألوف. الأغاني تُركّب على قوالب محفوظة، والقصائد تُستخرج من خوارزميات الذكاء الاصطناعي. ما عاد الإنسان يُنتج خيالاً خالصاً، بل يُجمّع خيالات قديمة ويعيد تقديمها في قالب عصري بارد.
الخيال تآكل لأن الزمن صار سريعاً جداً على أن يُتاح فيه التأمل..!
نحن نستهلك الصور، النصوص، الأصوات، كما نستهلك الطعام الجاهز ولا نمنح الدماغ فرصة للشرود أو التوهج أو الانزلاق في عوالم أخرى، هكذا صارت لحظات الصمت نادرة، بينما تُحاصرنا الشاشات من كل زاوية. وحين نفكر، فإننا نفكر في شيء موجود أصلاً ، لا في شيء لا وجود له بعد. وهذا هو الموت البطيء للدهشة.
الدهشة، تلك الشرارة التي تجعل القلب ينبض أسرع والعين تتسع والروح تشعر بأنها لم تكن تعرف كل شيء، فقدت مكانتها. صار من النادر أن نقول «واو» من القلب.
المشاهد التي كانت تبهرنا صارت معتادة. أصوات الطبيعة أُبدلت بأصوات الإشعارات. وحتى المعجزات، في حال ظهورها، قد تُتهم بأنها مزيفة بالفوتوشوب أو بالتلاعب الرقمي.
لقد تبلّد الإحساس بالغرابة، وصارت الأشياء العجيبة تُستقبل ببرود، لأن الإنسان فقد مهارته الأولى: الانبهار.
نحن لا ندهش لأننا نعرف أكثر مما ينبغي، لكننا نعرفه بطريقة مشوّهة، نحن نمتلك كمّاً هائلاً من المعلومات، لكن بلا خيال يُنسّقها، أو حلم يُوظفها، أو قصة تربط بينها..!
فأصبح وعينا مرهقاً، مثقَلاً، لكنه بلا أجنحة، نعرف عدد النجوم في المجرة، لكننا لا ننظر للسماء.
نعرف أسماء النباتات السامة والصالحة، لكننا لم نعد نلمس التراب.
نعرف الآلاف من الكلمات، لكننا لا نكتب سطراً واحداً من أنفسنا.
كل شيء صار معروفاً.. وبالتالي، لم يعد هناك ما يثير الدهشة.
حتى الأحلام فقدت غموضها. صار بالإمكان تحليلها، توقّعها، وتفسيرها باستخدام خوارزميات ذكية ، وفي أحيان كثيرة، لا نحلم أصلاً، لأن النوم نفسه بات وظيفة بيولوجية تُختزل في عدد ساعات وكفاءة راحة.
تحتاج أن نؤمن أن الخيال ليس ترفاً، بل حاجة عضوية، مثل الماء، مثل الهواء، مثل الحلم، لأن الإنسان بلا خيال... مجرد آلة تنبض، ولأن آخر عصر للدهشة، إن مرّ بنا دون مقاومة، فسيأتي بعده زمن بلا بشر حقيقيين.
سنكون مجرد كائنات تعرف كل شيء.. ولا تشعر بشيء..!
[email protected]


