في زمن السرعة والضخّ الإعلامي الهائل، لم يعد المشهد يقاس بجودته أو عمقه، بل بعدد مرات ظهوره وتكراره. المشاهد تفرض نفسها لا لأنها مفيدة، بل لأنها ببساطة تكررت. هذا هو «الأثر الكمي»، وهو قدرة الشيء على إثبات حضوره لا لجودة محتواه، بل لغزارته وتكرره حتى تتشبع به الحواس. وبالتالي يتحول بمرور الوقت إلى «أثر نوعي» في النفس والعقل، مما يفضي إلى تأثير عميق في القيم والسلوكيات والمواقف.
وعندما تتكرر أمامنا، هذه المشاهد غير الأخلاقية في مقاطع قصيرة وسريعة – كما في «الريلز» ومحتوى المنصات الاجتماعية – فإن التكرار وحده كفيل بأن يحوّل النفور الأولي إلى قبول ثم إلى تطبيع. والعقل بطبيعة يأنس بالمألوف، والنفس تألف ما تراه كثيرًا، حتى وإن كان مرفوضًا في البداية، إلا أنها حقيقة نفسية مثبتة في علم السلوك.
ولعل الأخطر في هذه الظاهرة أن الإنسان يعيش مع هذا المحتوى واقعًا بديلًا، افتراضيًا، ينفصل فيه تدريجيًا عن مرجعيته القيمية، فيتحول العالم الرقمي بالنسبة له إلى «مدرسة قيم» لا واعية، تعيد تشكيل معتقدات الفرد، وسلوكياته، بناءً على ما اعتاده، لا ما اقتنع به، ولا تسأله بعدذلك، لماذا اصبح يرى أمرًا كان بالنسبة له غير لائق، فصار بعد ذلك طبيعياً، لأنه سيجيبك بكل بساطة: لأنني أراه كثيرًا، والكل يفعله، فما هي المشكلة؟
وها نحن أمام مفارقة محفوفة بالخطر: فقد أصبحنا لا نتبنى السلوك لأنه صائب، بل لأنه شائع، ولم يعد الصواب هو ما يُقيّم بالشرع أو بالأخلاق أو العقل، بل ما تُعيد المنصات تشكيله على أعيننا حتى نألفه ونستحسنه.
ولعلنا وقد شخصنا المشكلة، نصف لها العلاج الناجح، عبر الخطوات التالية:
أولاً، ينبغي لنا أن نستعيد الوعي بخطورة «الأثر الكمي»، وندرك أن كثرة الظهور لا تعني الصحة أو القَبول الأخلاقي.
ثانيًا، نحتاج إلى بناء مناعة فكرية ونفسية تجاه التكرار، وذلك في بتدريب النفس على التمييز بين ما يُعرض علينا وما يجب أن نقبله.
ثالثًا، من الضروري تفعيل الرقابة الذاتية والوعي النقدي، بممارسة التربية الإعلامية التي تعلّم كيف نتعامل مع المحتوى.
وأخيرًا، يجب أن نعيد الاعتبار للأثر النوعي: ذلك الذي يبنى على فكر، وقيمة، وإحساس بالمسؤولية. فالعالم الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات، بل بعمق الأثر.
ليكن وعيُنا أسرع من ريلاتهم، ولنستعن بالله، على مجابهة هذا التيار الجارف.
[email protected]



