لم نعد بحاجة إلى إشارة مرور، ولا حتى إلى لافتة «خطر أمامك»، يكفي أن ترى سربًا من الناس يركض نحو جهة ما، حتى تركض خلفهم. لا لشيء، سوى لأن الركض وحدك يبدو أغبى من الوقوف، ومخيفًا أكثر من السقوط. ومن قال إن الخوف من الخطر أكبر من الخوف من أن تكون مختلفًا؟! فالاتجاه الصحيح هذه الأيام لا تقوده البوصلة، بل تقوده كثافة الأقدام.
ننتقد التبعية العمياء، ونكتب المقالات عن «الوعي»، لكننا في نهاية اليوم نأخذ قراراتنا من خانة «الأكثر مبيعًا»، ونطمئن حين نسمع أن فلانًا اشترى نفس الشيء. نسخر من منطق «مع الخيل يا شقرا»، ثم نفتح جوالاتنا لنرى ماذا تفعل الخيل هذه الليلة، لعلنا نلحق بالهاشتاق قبل أن يصبح باردًا!
نُحذّر من السير خلف الحشود دون تفكير، ثم نُدافع عن أنفسنا لاحقًا بالقول: كل الناس كانوا هناك!، وكأن كثرة الأقدام على الخطأ تُحوّله إلى صواب معتمد من الأغلبية.
القطيع يقتل الجرأة؟ ربما. لكنه يوفر لك غطاءً من المسؤولية. فإن أخطأت، أخطأت مع الجميع، وإن وقعت، وقعت على مفرش من أكتافهم. من قال إن الأمان ليس أغلى من الحرية؟ ألم يُخلق الإنسان حُرًا ليختار بنفسه من يتبعه؟
نُجاهر بحبنا للاختلاف، ونعلن أننا أحرار في ذوقنا وآرائنا، ثم لا نلبث أن نلتفت لردود الفعل قبل أن نكمل الجملة. نختار رأيًا جريئًا، لكننا نُعدّل نبرته فور أن نلاحظ أن القطيع ينظر نحونا بريبة. فحتى الحرية لها سقف.. اسمه عدد الإعجابات.
نلوم الناس على خوفهم من الخروج من القطيع، ثم نرتبك حين نُسأل: ليش سويت كذا؟، فنجيب بتلقائية: الناس كذا يسوّون!، وكأن جملة «الناس كذا» شهادة تخرّج من جامعة الحياة.
نصرخ في وجه التكرار، ثم نلجأ إليه حين نشعر بالضياع. نُعلن تمردنا، ثم ننتظر من يفتح لنا الطريق. نرغب في التحرر من كل قيد، ثم نتعلّق بالسلاسل الذهبية التي يرتديها القطيع.. لأنها تلمع!
وفي النهاية، ليس عيبًا أن تكون جزءًا من القطيع، طالما القائد لديه خطة، والبوصلة ليست معطلة. لكن المصيبة أن نكون قطيعًا بلا راعٍ، نركض خوفًا من صوت خلفنا.. الذي غالبًا ما يكون صدى أقدامنا فقط.
@A_SINKY



