ها هو سبحانه يخبرك بعلمٍ يقين بأنه سيرثها، سيرث الأرض ومن عليها.
ما هو إرثك الذي ستتركه للإنسانية والمجتمع من بعدك؟ من هو وريثك الذي سيرتقي بإرثك، ويحفظه من عوامل التعرية سليماً مصاناً غير مشوهٍ وفاقدٍ لمعالمه؟
هل كانت هذه الأسطر ثقيلة العبور على فكرك، ونفسك، وروحك؟ عذراً منك سأمزِجُها لكَ بعسلٍ مصفَّى فيه شفاءٌ لروحكَ وفكركَ واحساسك. لا بأسَ عليك، هونْ عليك، هذا الإرثُ ما هو إلا تخليدٌ لروحِ أفكاركَ. تلفَّت في خرائط التاريخ وفُصُولِه، عرضاً وطولاً، هناك سلسلةٌ من المواريثِ التي عَظُمت أضعافاً بعد بنائها، وهي مجرد أفكارٍ في أساسها، عندما تركها أصحابها في معظم الأمر، وغيبوا عن هذه الدنيا، أولم يُتهم من طرحَ فكرةَ إمكانيةِ الطيرانِ كالطيورِ مجنوناً؟ فكيف بمن ارتأى السفرَ إلى الفضاءِ؟! بلى، ولكن أمثال هؤلاء أحسنوا استبقاء وتخليد أفكارهم، في كبسولةٍ صُمِّمَت ضد عواملِ تعرية الزمان، فلم تفقد قيمتها، بل العكس وجدت من يؤمن بها!، إن كانت حيةً في فكرِ هؤلاء في الماضي، فها هي دُونَتْ في مناهجِ الشعوبِ بمختلفِ اللغاتِ، والثقافاتِ، والأديان، و دُرِّست في الجامعات.
لديك شيء مميز يستحق أن تعتني به، لتقديمه إرثاً لمن بعدك، أنت نفسُك مميزُ الصنع، فكيف إذا صَنَعَ مميزُ الصُنْعِ صَنِيعاً يُزينُ الخير للإنسانية في حُللٍ من العلوم والمعارف والخبرات. حسب أعراف المجتمعات البشرية تاريخياً و لحدٍ ليس ببعيد كان الابن يرثِ ويمتهنِ مهنةَ أبيهِ ويمشي فخراً بذلك، ولكن هذه الأنماطَ المعيشية، تغيَّرت وظهرت التحورات المجتمعية، بعد ظهور الثورة الصناعية في سبعينيات القرن الماضي، وها هي تجابه طفرةً أخرى بعد تطور الثورة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي، وآخرِ صَرْعَاتِ هذا القرن المتسارع في تضخيم زخم العلومِ، والمعارفِ، والخبرات، وهنا يأتي دور الحكمةِ بطلاً على مسرحِ الحياة، لتكتسي لباس التباطؤ، والتمعنْ، والتدقيقِ عن النظر، والتمحيصِ قبل صياغةِ الاستنتاجات.
المعضلةُ النفيسةُ هنا هي، في ماذا أنت مميز أو بالأصح ستتميز؟، إنك لا تحتاج إلا لبسيطِ فكرةِ تبحرُ بها بين طياتِ موجِها بسفينةِ العقلِ والتعقلْ، لترسمَ خريطةَ أرضٍ، لم تطأها قدمُ إنسانٍ من قبل، فتُهدِيها لمن ترتأي أنه يُشبهك، ولعلكَ قد كنتَ على ظهرِ هذه السفينةِ قبل قراءةِ هذه السطور، مهتدياً بخريطةٍ ورِثْتَها عن أحدهم، وقد يفصِلُكَ عنه أجيالٌ وأزمان، وهنا يزداد التحدي صعوبةً لحلِ تلك المعضلة، التي ستلدُ من بعدِ ظُلمتها نوراً، ضوءهُ لهُ وهجٌ سيمتدُ عمراً أطولَ من عُمرك، وعُمْرِه، نعم هذا الإرثُ الذي لا يقبلُ القسمةَ إلا على المجتمعِ أجمعْ، سام ٍ و يهدفُ ليحيى منْ سيأتي بعدهُ حياةً أفضل.
تفكَّر بعظيم الاختراعاتِ، والاكتشافاتِ، من نظرياتٍ وأجهزةٍ، وبرامجَ بخوارزمياتٍ نظنُ بأنها قد تهزمُ ذكاءَ البشرْ، أو على الأقل تُنافِسُه، ألم تكن فكرةً صغيرةً وليدة ً تحفاَّها صاحبها بالرعايةِ حتى اشتدَ عُودها، وسمحَ لها بالسفرِ عبر قاراتِ العقول، فتسافرُ في بعضِ فصولِ الحياةِ جواً إن كانتْ ربيعاً، وبحراً إن كانت تلك الفصولُ شتاءً.
ولأن تلك الفكرةَ غاليةٌ وثمينةٌ على روحكَ، فأحسنْ انتقاءَ وريثِ روحِ تلك الفكرة، واعلم بأنها ستكونُ يوماً ماً ذاتَ قيمةٍ -أكبرَ من تركَتِك التي أورثْتَها- عند أشخاصٍ لم تقابِلْهُم ولن يقابِلُوك، ولكن التاريخَ سيحفظُ لكَ مجدَ هذا الإرثْ، فهو الشاهدُ الوحيدُ على حسنِ صنِيعكَ، إن أحسنتْ إيصالهُ إلى شواطئ الأمانِ والسير عدداً من الخطى بأقدام الإصرار إلى خصبِ أراضِي الأفكارِ والإلهام.
bshaleid@



