كثيرًا ما تُختزل الأماكن في حكاية واحدة، وفي السابق سمعنا من يقول ُ: لا تذهبوا إلى مدائن صالح، فقد سكنها قوم ثمود الذين حل بهم عذاب، كأنها مجرد صفحة واحدة في كتابٍ طويل، كأن العلا لم تكن موطن حضارات، ومعبر قوافل، ومرآة لقرونٍ من الوجود الإنساني، لكن الحقيقة أبعد من هذه النظرة، أعمق من التفسير السطحي، وأجمل بكثير من أن تُروى بجملة واحدة.
الحِجر مدائن صالح، هو الموقع الذي ورد ذكره في القرآن، كمكانٍ سكنه قوم ثمود، الذين كذّبوا النبي صالح -عليه السلام-، فحل بهم العذاب، هو مكانٌ يُزار للعِبرة، يُقدَّر بالصمت، ويُحترم بالحضور المتأمل، لكن ما لا يعرفه الكثيرون، أن هذا الموقع هو مجرد جزء صغير من مشهد واسع اسمه «العُلا» مدينة تنفست الحياة قبل ثمود، واستمرت بعدها.
تتشارك العلا بالموقع الاستراتيجي، والروابط التاريخية العريقة مع واحَتي خيبر وتيماء في الشمال الغربي لشبه الجزيرة العربية. كانت هذه المنطقة مركزاً رئيسياً في الحركة التجارية منذ آلاف السنين ووفّرت تضاريسها الجغرافية، ومواردها الطبيعية، ومناخها المُلائم بيئة مثالية لازدهار الحضارات القديمة. ندعو ضيوفنا لاستكشاف الواحات الخصبة بين جبال الحجر الرملي، والعجائب الطبيعية المذهلة بين تضاريس الصحراء، والمعالم الأثرية الشاهدة على تاريخها العظيم.
العُلا، كمنطقة، هي أشبه بطبقات جيولوجية من الحضارات، عاشت فيها مملكة دادان، ونهضت من بعدها لحيان، ومرّت بها القوافل النبطية في طريقها بين الشام والجنوب، ثم جاء الإسلام فترك بصمته بين الجبال والواحات.
كل طبقة كانت تضيف للحكاية روحًا، نقشًا، أو حجراً جديدًا في جدار الزمن، العُلا ليست مجرد حكاية، بل قصيدة حضارة طويلة، وفي قلبها النابض اليوم، تقع قرية اسمها العُذيب، هذه القرية الحديثة هي التي تحتضن الفعاليات، العروض الثقافية، المسارح، والمهرجانات العالمية التي أعادت تعريف حضور العُلا في ذاكرة الناس، العذيب لا تمت بصلة للحِجر، لا تاريخًا ولا موقعًا، بل تمثل وجه العُلا المعاصر، حيث تُصنع حكايات جديدة على أنقاض الجهل والتعميم.
وهناك أيضًا، البلدة القديمة في العُلا، مدينة طينية، بأزقتها المتعرجة وبيوتها المتلاصقة، تنتمي للعصر الإسلامي، وكانت مأهولة حتى سنوات قريبة، تاريخها حديث مقارنة بالحِجر، لكنها تحمل في جدرانها دفء الحياة اليومية، وذاكرة الأذان، ورائحة القهوة من نوافذ صغيرة لا تزال صامدة.



