هناك من يبدأ ويختم بها يومه وهو ممسك بهاتفه باحثاً عنها في الحسابات الإخبارية على مواقع التواصل، وآخر يسمعها عبر إذاعة السيارة أثناء الطريق إلى عمله، وثالث من بودكاست في مكتبه، وآخر على شريط الأخبار الظاهرة في شاشة التلفزيون وهو يؤدي تمارينه الرياضية في نادي اللياقة.
هذه مشاهد قليلة لعادات يومية كثيرة تعكس جزءاً يسيراً من قيمة الخبر وثمنه في حياة البشر. وهي حقيقة تبدو من المسلمات إلا في حالة واحدة، وهي أن يكون المتحدث إليك شركة تكنولوجيا عالمية، مثل شركة محركات البحث الأمريكي «جوجل»، فهي وشقيقاتها من عمالقة التقنية ما زالوا يحاولون عبثاً إنكار قيمة الأخبار على مواردهم ونموذج أعمالهم، لإنكار أنهم أحد أكبر المستفديين من بيانات المستخدمين الباحثين عن الأخبار.
أحدث المحاولات كانت إعلان جوجل إجراء «تجربة بحث»
-experiment - أزالت فيه المحتوى الإخباري من أكثر من 13 ألف موقع إلكتروني في ثماني دول أوروبية من صفحات نتائج البحث، وذلك بنسبة 1% من المستخدمين، لمدة شهرين ونصف، كاشفةً أن إيراداتها الإعلانية انخفضت بنسبة 0.8 % فقط. لتزعم أنه ليس للأخبار أي تأثير ملموس على إيراداتها.
لكن ناشرون وخبراء في التقنية والإعلام قدحوا في نتائج البحث واعتبروه مجرد دعاية إعلامية بتعزيز موقف الشركة في الخلاف القضائي المثار حول أحقية منصات الأخبار في الحصول على قيمة منصفة مقابل استغلال «جوجل» للمحتوى الإخباري.
أبرز الطعون في نتيجة بحث جوجل يمكن إيجازها في نقاط:
جوجل أزالت جزء من الأخبار واستبدلته بخيارات ومصادر إخبارية غير موثوقة دون إعلام المستخدمين بذلك.
لا توجد بياناتٌ تُشير إلى أن المستخدمين وجدوا البدائل مفيدةً بقدر المقالات الإخبارية - لأسبابٍ منها عدم معرفتهم بها. سيفترضون ببساطة أن صحيفتي التايمز أو الغارديان لم تُغطيا الخبر الذي يبحثون عنه إذا لم يُقدّم رابطٌ بعد البحث.
التجربة أُجريت على 1% من المستخدمين، مما جعل قدرتها على رصد أهمية الأخبار لمنصات قوقل محدودة.
أظهر بحثٌ نشرته جازيت بريس، عن الفترة بين عامي 2023 و2024 في أمريكا، أن مواضيع الأخبار والإعلام 2.4% من استعلامات بحث جوجل. وللمقارنة، مثلت وسائل التواصل الاجتماعي 4.2% من الاستعلامات.
أن جوجل لم تحذف كل الأخبار الصادرة من وسائل الإعلام بل من بعضها وبالتالي فإن المستخدم يستطيع أن يجد الخبر في وسيلة إعلام من دولة أخرى.
أن جوجل تكذب وأن نتائج البحث مفبركة أو غير موضوعية.
وفي رأيي أن جوجل وشقيقاتها سيظلون ينكرون قيمة المحتوى الإخباري على مواردهم، لأن الاعتراف بقيمته قد يزلزل عروشهم بخسارة حصة من إيرادات الإعلانات وبيانات المستخدمين، لكنهم سيخسرون هذه المعركة كما خسروا عدة معارك قضائية في أوروبا واستراليا وكندا. الخبر ثمين فهو منتج حصري للصحافة، ولا يمكن شراؤه كما هو الحال مع الإعلان.
وهنا أجدد الدعوة لوزارة الإعلام والهيئات التشريعية التابعة لها بأن تستفيد من هذا التطورات العالمية في إدارة العلاقة مع شركات التقنية الكبيرة لزيادة مواردها وموارد المؤسسات الإعلامية التي تشرف عليها وتسأل عن أي تنظيم يساهم في إصلاح سوق الإعلام وازدهاره.
@woahmed1



