في المسيحية تعد حادثة صلب المسيح -عليه السلام- من أهم الأحداث والتي بنيت عليها العقيدة النصرانية ذاتها والركيزة الأساسية، لكن لا بد لفهمها أن نأخذها في سياقها التاريخي. وكملخص في القرن الأول الميلادي، كانت منطقة فلسطين جزءًا من الإمبراطورية الرومانية التي شهدت إضطرابات وحالة من العصيان من اليهود ضد الرومان الأمر الطبيعي لأية منطقة محتلة. وكان القول السائد حينها في أوساط اليهود حسب قراءتهم للتوراة بظهور ملك منتظر كداود -عليه السلام- يحررهم من حكم الرومان. في هذه الفترة، ظهر المسيح -عليه السلام-، الذي كسب أتباعًا بفضل تعاليمه ومعجزاته مخالفا أراء علماء بني اسرائيل، مما أثار قلق السلطات الدينية اليهودية المتعاونة مع الرومان. وأدى بالنهاية إلى حادثة الصلب.
ولا توجد مصادر كثيرة تاريخية لتأكيد ما وقع من أحداث سوى ما هو موجود في التقارير الرومانية كإشارات لبعضها، وما نقل من قصة عن طريق أشخاص مجهولين تحدثوا عن سيرة المسيح -عليه السلام- مما نطلق عليه بالإنجيل. وتعتمد قصة صلب المسيح المتداولة بين أوساط الكنائس على الأناجيل الأربعة «متى، مرقس، لوقا، ويوحنا»، والتي تشير بصفة تاريخية إلى أن كان هناك معلم ديني عرف باسم عيسى بن مريم قبض عليه بناءً على وشاية من أحد تلاميذه، على أثرها حوكم أمام السلطات الدينية اليهودية قبل تسليمه للحاكم الروماني لتنفيذ الحكم عليه. ووفقًا لهذه الأناجيل، اتُهِمَ بالهرطقة وإدعاء الألوهية ومخالفة التعاليم اليهودية. من قبل المجلس اليهودي.
وعلى الرغم من معارضة الحاكم الروماني إعدامه، إلا أنه استجاب لضغط الجماهير اليهودية وأمر بصلبه وفقًا للتقليد الروماني في معاقبة المجرمين والخارجين عن القانون. ثم جُلِد ووضع على رأسه إكليلا من الشوك وأُجبر على حمل الصليب إلى موقع الصلب، حيث سُمِّر عليه وظل معلقًا لساعات قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. وينظر مسيحي اليوم إلى حادثة الصلب على أنها تضحية للبشر للخلاص من الذنب الأبدي بعصيان آدم -عليه السلام- بالأكل من الشجرة المحرمة وغفران الخطايا عند لإيمان بحادثة الصلب.
ولا يوجد لدينا في الإسلام أحداثا موازية لقصتهم سوى بإنكار الحدث، إلا ان ما أثارني غرابة كباحث تحول قبيلة بنو عبد القيس بشرق الجزيرة بسهولة إلى دين الإسلام من المسيحية وكانت تلقائية حتى أن قرآنا نزل بهم. أي أنه لا بد أن كانت لهم مفاهيم واضحة ومختلفة لهذه الحادثة ممن أسلم منهم وخاصة بقراءتهم للآية من التشبيه فلم يرد أنهم أنكروها، وربما كان لديهم انجيلا مختلفا عما هو سائد اليوم.
ولمعرفة ذلك من خلال البحث نظرنا للأناجيل التي تقول بعكس الرواية السائدة عن صلب المسيح، وجدنا أن إنجيل برنابا هو الوحيد الذي ينكر حادثة صلب المسيح تمامًا، ويذكر أن شخصًا آخر صُلب بدلًا منه. أي أن ربما كان هذا الإنجيل هو المصدر الرئيسي للتعاليم الدينية لدى بنو عبد القيس، وما يؤكده هو أيضا فهو يتحدث عن علامات النبوة والتي دوما نسمعها بالسبرة النبوية ومن اتباع الكنيسة النسطورية في تلك الفترة. إلا أن هذا الانجيل مفقود وما وجد يفتقر إلى عناصر التأكيد العلمي بصحته.
ولا يقتصر مخالفة تلك القصة من حادثة الصلب هنا، بل أن كذلك نجد في بعض النصوص الغنوصية أي الصوفية مثل كتابات نجع حمادي في مصر، والتي ترى أن المسيح لم يُصلب جسديًا، بل عانى روحيًا أو أن شخصًا آخر أخذ مكانه. هذه الروايات تختلف عن الأناجيل الأربعة المتبعة بكنائس اليوم إلا انها بالإضافة تؤكد وبشكل غير مباشر انتشار عدم صلب المسيح بين الأتباع الأوائل ومن استخدام وتداول إنجيل برنابا بين مسيحي عرب الجزيرة من تلك الكنيسة النسطورية.
@SaudAlgosaibi



