وفي مرة من أجازتهم تلك، جلبوا معهم كرتونة تفاح، وقسمناها بين الجيران، وكان نصيبي منها نصف قطعة، وكانت تلك أول تفاحة آكلها في حياتي، ما زلت أتذكر طعمها، وأتذكر الدهشة التي باغتتني مثل «طفل يرى وجهه في المرآة لأول مرة»، لن أنسى ذلك أبدا، كانت تلك التفاحة كبيرة، ولها لون قرمزي داكن، ونكهة قوية، وطعم مُغْرٍ، يداني حلاوة قصب السكر فحسب، ذلك المزروع عندنا بمشروع الجزيرة، أحسست وأنا اقضم منها أول قضمه، وكأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة، وخامرني حينئذ احساس مُبهِج، فلم تكن حليمات التذوق عندي، قد اختبرت هذا الطعم من قبل، ولم تكن كذلك ثورة الأسمدة الكيميائية ومخصبات التربة والمبيدات قد انفجرت في ذلك الوقت وعرفها العالم، كان كل شيء طبيعي وصحي، الزرع والضرع، حقا كان كل شيء طاعم وعضوي في تلك الأيام البعيدة.
ومن عجيب الحال، أن يقترن طعم تلك التفاحة بمخيلتي، ويرتبط بمدينة الخبر، تلك المدينة الوادعة الفاخرة، لن أنسى أبدا أنني كنت أراها أحيانا كثيرة ترفرف في مضجعي، وتراودني في أحلامي، كطيف من ضمير الغيب، من كثرة ما فكرت فيها وحلمت بزيارتها، كما حلمت أيضا بزيارة مصر مرات كثيرة، فقد كانت مصر في تلك الأيام، بمثابة حلم عسير، صعب المنال، فهي بوابة تحقيق الأحلام، ولطالما أتتنا منها المجلات والكتب والملابس والحلويات وأشياء أخري، ذلك وقت عجيب.
وكما تعلمون يا سادتي، فلم تكن في أيامنا تلك، جوالات ولا انترنت، ولا قنوات فضائية أو دش، وحتى التلفزيون لم يكن يبث برامجه إلا في المساء، وكانت الوسيلة الوحيدة لتزجية الوقت هي المطالعة وقراءة ما يقع تحت يدك من مخطوطة أو حتى قصاصة ورق، وأزعم أن هناك مقولة كانت رائجة ومتداولة في تلك الأيام، تقول «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخرطوم تقرأ»، حقا كان الأمر كما وصفته لكم.
ولا غرو إني أحببت مصر من صغرى، وهفت نفسي لزيارتها، فهي مهد الحضارة وعصارة الدنيا، وبهجة الحياة، ولا عجب أن سميت بأم الدنيا، وأتذكر جيدا أن الناس في بلدي كانوا يأمونها للعلم والدراسة، ويقصدونها للعلاج، ولهم فيها مآرب أخرى، وكان أولئك النفر الذين يعودون من زيارتها، يشغلون المجالس بحديثهم عما رأوه وسمعوه فيها، وكانت تلك القصص والأخبار القادمة من مصر تشحذ خيالي، وتجعلني تواقا أكثر لزيارتها، وكنت كلما تذكرتها طافت برأسي قصيدة تاج السر الحسن، والتي غناها الراحل عبد الكريم الكابل، ولطالما أشجت هذه الأغنية مسامعي.
مصر يا أخت بلادي يا شقيقة
يا رياضًا عذبة النبع وريقة.. يا حقيقة
مصر يا أم جمال.. أم صابر
ملء روحي أنتِ يا أخت بلادي
المهم يا سادتي أنني وصلت الخبر، بعد معاناة طويلة، وكانت تلك لحظة عجيبة، كأنها ومضة من خيالات الأماني، تستعصي على الوصف، أو لعل الوصف لا يجدي، فهي أجمل مما توقعت بكثير، وفي موقف غير هذا، كان يمكن للساني أن ينطلق، فآثرت السكوت، فالصمت عندي كثيراً ما يكون أَصدَقُ وأَبلَغ أَنباءً من الكُتُبِ، كما السَيفُ، عند أبو الطيب أحمد بن الحسين، ذلك الرجل، يا له من شاعر، لكن تلك قصة أخرى.
وأتذكر بشكل واضح، أنني أقمت بحي الثقبة في الخبر، وهو من الأحياء العتيقة بالمدينة، وقد شعرت فيه بالراحة، كالتي وجدتها في أحياء مصر القديمة وشوارعها، لكن شوارع الثقبة مفعمة بالحركة والحياة والجمال، وأكثر اتساعا، وأقل اكتظاظا بالناس، والطقس هنا جميل ومشرق، خاصة في الشتاء، لأن المطر ينزل فيها على هيئة زخات صغيرة، ما تلبث الأرض أن تشربه وتبلعه بسرعة.
ورغم سفري وترحالي الكثير يا سادتي، بين مدن عديدة وعواصم شتى، لكن ما من ديار شَغَفنَ قلبي، كما الخبر وساكنيها الكرام، فالخبر حقا مدينة استثنائية، حميمة، رحبة، والحياة فيها كالعيش على ضفاف نهر دافقٌ، أو كمثل قوس قزح في رونقها، مدينة ثرية تظهر عليها دلائل الرقي والازدهار، ولا يمكنني بأي حال نسيانها، فهل يا ترى أنسى طعم تلك التفاحة التي قادتني إليها ؟!.



