وهو أحد القلائل الذين تحدثوا عن التاريخ والصحراء والبادية بتلك الجزالة والحماسة والرصانة، وعلى ذكر التاريخ والصحراء، تذكرت رحلتي تلك، لجنوب المملكة، التي حدثتكم عنها سابقا.
وهي رحلة طويلة بالمناسبة، إذ كنا نقود سيارة انطلقنا بها من نجران قاصدين الرياض، والطريق علي ما يبدو طويل جدا، بين المدينتين، والمنظر من حولي، لا يتغير أبدا، وكأن الأرض لا تطوى، والوقت لا يمضى، ونسيج الصحراء الأصفر لا يصدأ ولا يتبدل، ويخامرني شعور غريب، كأني أغوص في بحر الرمال السرمدي هذا، لكن ببطء شديد، فأينما التفت لا أجد شيء يتغير أو يتحرك، لا شيء أطلاقا سوى التيه، وذلك الجدب، "وهذه الشمس التي تضرب الصحراء بسياط حرها، كأن بينها وبين أهل الأرض ثأر قديم"، ولا يتراءى أي ظل هنا في هذا الهجير ولا مأوى، وما بين الفينة والأخرى، أرى صخور تتخلل هذه المفازة الشاسعة، وكثبان رملية تأخذ النظر معها صعوداً وهبوطاً، وعلي امتداد الأفق كانت السماء ما تزال فوقنا صافية، فلا سحاب ولا غيث ولا مطر، لا شيء سوى القحط، وسراب ممتد يجمع أطرافه علي عجل، ويفر خوفاً، ونحن في أثره بلا انقطاع أو توقف، في مطاردة أبدية لا تنتهي، في لظى الرمضاء هذا، فكلما اقتربنا منه زاد بعداً، ولربما لن يتثنى لنا أبداً أدراكه أو الإمساك به في أتون تلك الصحراء.
وعلى حين غرة رأيت قطيعاً من الجمال السوداء، تمشي كرحالة يجوبون الصحراء، واطلت النظر إليها، منظرها عجيب ولونها غريب، هذه أول مرة أرى جمال سود، شدت انتباهي، وتساءلت في نفسي ما الذي ترعاه، وتأكله في هذه الصحراء الجرداء، فلا عشب ولا مرتع، فالأرض مُقفِرَة إلا من تلك النباتات اليابسة التي نمت هنالك، ويخيل إلي أنها تخوض حرباً مع هذا القحط الأبدي، بشموخ وإباء، غير عابئة بالجفاف الذي ضرب أطنابها، وتراءت لي كغزال راح يغذو أسدا، وما زالت تلك الأبل تراعى، وذا عجباً، أن لا تلهث أو تبدو عجفاء في هذا الموئل القاسي، شديد الحر، فهي تمشى منزلقة علي صفحة الصحراء، بخفة ورشاقة، كأنه لا وزن لها، أو هدف من هيامها، وحياتها بهذه القفار الموحشة، لكنه موطنها بأي حال من الأحوال ومرعاها، وهنا خلقت وفيه تموت.
ورغم ذلك، فلا أخفي عليكم سادتي سر أفتتاني بالصحراء العربية المجيدة، فهي مهد الحضارة، كما كانت في الماضي و"أرض اليأس والشعر"، كما ذكر الأديب العالمي الطيب صالح، ولا يخامرني أدنى شك، أن هذه الأرض كانت وما تزال ثرية بما تخبئه من كنوز وأسرار، وإن كانت تستعصي على الاكتشاف والادراك، وأنها ستعود مروجاً وأنهاراً ، كما جاء في الحديث الشريف.
وعلي تخوم مدينة الرياض، تذكرت مشهداً مشابها للجبال التي رأيتها في الطريق من أبها إلي نجران، في رحلتي تلك، وكيف كانت تبدو مهيبة، وأتذكر أني رأيت جبالا قطعت قطعا، وشق وسطها طريقا سهل للناس تنقلهم وتواصلهم، ذكرني هذا المشهد بقصة خطرت على بالي لجنود انجليز كانوا يمشون في الصحراء ويحملون عتادهم واسلحتهم علي ظهورهم ويأنّون من حملهم الثقيل، فدعا أحدهم ربه قائلا "يا إلهي خفف حملي" فسمعه الضابط فقال له لا تقل يا إلهي خفف حملي بل قل (يا إلهي قوي ظهري).
لا ريب أن كثرة الجبال وقسوة الصحراء أكسبت الناس هنا الصلابة وقوة التحمل والعزم، فظهر جيل جديد امتدادا لإرث آباءه وأجداده، جيل يحمل على عاتقه تيسير سبل الحياة، من باب "يسروا ولا تعسروا" جيل يوظف كل الامكانات لهذا الغرض النبيل، جيل فتي طموح.
إن بعض قطرات من الماء في هذه الصحراء الجرداء، لابد أن تشكل فارقاً بين الحياة والموت، لكن لحسن الحظ، لم يعد الماء يشكل الآن مشكله أو حتى كيفية إيجاده، ولم تعد الحياة شاقة كما كانت في السابق.
قبائل كثيرة عاشت هنا ورحلت، وتركت أثراً لا يمحى وراءها، بعض القصائد تخبرنا عن تلك الحياة، وعن الأجداد الذين عاشوا تلك الحياة، ففي الجزيرة العربية تاريخ طويل، حافل بالحياة، وبكل ما فيها، من صعاب وأمجاد ومآثر وحماس وحب وكرم وحروب وبطولات، سطر الأجداد الكثير المثير في حياتهم، ووصلت إلينا أخبارهم وسيرهم من تلك الأيام البعيدة، بعد أن وثقتها أشعارهم ومعلقاتهم الخالدة.
ولعل تلك هي الجذور العتيقة، التي تغذي الأجيال اللاحقة بالقوة والعزيمة والثبات، كأنها الماء الذي لولاه ما كانت حياة.


