أجد نفسي مع طلاب أذكياء. أصحاب شغف، تسعد بحديثهم. لكن عندما يتعلق الأمر بالفكر والتفكير يتوه منهم الإلهام، مع ذلك السؤال غاب عنهم التفكير في عوامل تحديد الأهمية، لم يعرفوها، لم تمر عليهم، غاب عنهم أن «الخبازة» مهارة يمكن تعلمها في أسبوع، بينما أن تكون عالما تحتاج سنين من العمر تزيد عن 20 عاما.
سألتهم: إذا كان الخباز أهم من مدير الجامعة، فلماذا لم تذهبوا لتعلم مهارة الخبازة؟ لماذا تدرسون؟ فاتهم أن الندرة تحدد الأهمية، فاتهم أن الدور الذي يلعبه الفرد يحدد أهميته، تتعاظم الأهمية بتعاظم ندرتها وأهمية دورها. فاتهم أهمية دور العلماء والعلم والمعرفة في صناعة المستقبل، وصلوا هذه المرحلة من العمر، ومازال عقلهم يراوح في مكانه مع غريزة الأكل والشرب، وبعض الذكاء الاجتماعي والبيئي المكتسب خارج حدود المدرسة.
من المسؤول عن هذه الفجوة؟ لا أسعى لتحديد إجابة، الأمر أهم. بحاجة إلى فريق من العلماء والباحثين في تخصصات مختلفة. سعيا لتحديد الإجابة وأبعادها المستقبلية، لكن هل هي مسؤولية المدرس في المقام الأول؟
المدرس فكر يتحرك أمام الطالب، المفروض أن يشع مجدا ينير درب الطالب، السؤال كم كتابا يقرأ المدرس في السنة؟ كم دورة يحصل عليها المدرس لتطوير مهارات نقل المعلومة والتعامل معها ومع الطالب؟ هل هناك المدرس القدوة في كل مدرسة، يوجه ويشخص ويحدد الاحتياجات؟ المدرس الكفء فكر متجدد وليس ملقن وناقل.
يقصّر المدرس مع زيادة عدد طلاب الفصل، يقصّر المدرس إذا لم يكن جل وقته لخدمة رسالته. يقصّر المدرس مع تعاظم إجراءات إدارية تنهش في جهده، ووقته، وتركيزه، يقصّر المدرس في غياب التحفيز والتكريم، وغياب المسؤولية والحماية، أن يكون كل وقت المدرس موجهة لخدمة الطالب خلال ساعات اليوم والنهار «24» ساعة من العمل والاهتمام والتفكير، التدريس رسالة ومهنة، الإخلاص فيها ثمرة الاتقان.
أعود لموضوع الطالب، هل يعرف ماذا يريد من دراسته؟ لماذا يدرس؟ لماذا يواصل تعليمه؟ هل للطالب قضية؟ ما هي قضيته؟ من يزرع هذه القضية؟ وجدت نفسي أمام هذه التساؤلات لأني واجهت وعشت مع طلاب لا يعرفون لماذا يدرسون، لا يحملون قضية، ليس لهم قدوة، كنت أدخل قاعة المحاضرة، وأجدها كمجلس العزاء، لا نقاش، لا أسئلة، أكثرهم يحضر بدون دفتر وقلم، المهم يسجل حضور، بعضهم يرسب في الاختبار، ليس لأنه فاشل، لا رغبة لديه في الدراسة.
بالنقاش.. وكنت أتعمد النقاش من أول محاضرة، معتمدا على هذا السؤال: هل دخلت الكلية بناء على طلبك؟ الجميع يجيب بالنفي، يتكرر ذلك مع كل دفعة حتى تقاعدي عام 2016م.
طلابنا ضحية الأهل، والمجتمع، وبعض الأنظمة، الجميع يسعى لفرض تخصصات على الطلاب، إن لم تتحقق رغبتهم في التعليم والتعلم، فهذا يعني فشل الطالب قبل أن يفشل، ويستمر الحديث.
@DrAlghamdiMH


