حاول علماء الأبحاث وخبراء الفيزياء دراسة الأمر لسنوات لاكتشاف الشفرة التي تقود حركات الطيور، من أجل التوصل لبعض المبادئ التي يمكن أن تحل معضلة الاختناقات المرورية، أو تسهل من إستراتيجيات المراقبة الجوية، أو استغلال تلك الميكانيكية لترجمتها كدليل في تصميم الطرقات والتخفيف من حوادث السيارات، لكن التعقيد الذي يشوب الظاهرة استعصى على تفسيراتهم وزاد من حيرتهم، فلا مجال لإسقاط تلك الحالة اللامكانية على لغة العالم الآلية المادية، فذلك التواصل اللحظي الذي نشهده بين أسراب الطيور قادم من ما فوق المستوى المادي، نتيجة الرقص على أنغام النظام الكوني المتناغم، وليست الطيور هي الراقص الوحيد.
الأمثلة لا تحصى عن عدد الخلائق في كوكبنا والتي تدعم براهين التواصل الكوني، فالدراسات المكثفة حول الحشرات والحيوانات تظهر تجاوبها السحري مع التهديدات بأسرع مما يمكن شرحه عبر طرق التواصل العادية، وقد تكثر الأمثلة في عالم الحيوان لأننا كبشر قد فقدنا ذلك الاتصال لشدة الانهماك في هموم الحياة التي تصرفنا عن استقبال ذلك الحس، لكن هناك مثالا قويا يخص ذلك التواصل اللامكاني وتعيشه كل الأمهات مع رضيعها، حتى لو كان الاثنان في أماكن مختلفة، وفي حقيقة الأمر نحن جميعا في حالة ارتباط دائم بالذكاء اللامكاني، وبقاء أجسادنا يعتمد بكليته على عظمة ذلك التناغم الغيبي.
أجسامنا تتصرف بتناغم طيلة الوقت، وفور حدوث أي اضطراب في عضو ما يتداعى له سائر الجسم، فلو أنك مثلا لم تأكل طوال اليوم وبدأ مستوى السكر بالانخفاض، ستجد مجمعا من تناغم الأحداث يعمل ليعيد مستوى السكر لوضعه دون أن تأمر أو تستوعب، وفي الجسم السليم ينتظم هذا التناغم بشكل مثالي، ولكن عندما يغزو المرض الجسد يحدث نشازا في أحد الإيقاعات، مما يفقده تناغمه، ويشكل التوتر أكبر معيق لهذا الإيقاع، فإن كنت متوترا أو انتابتك مشاعر عدوانية يصبح توازنك الجسدي مرتبكا، لأن التوتر يقطع تواصلنا الكوني، ورغم أن جميع المشاعر السلبية تعطب من ذاك التواصل بين جسدك والتناغم الكوني، لكن الأكثر توثيقا ودراسة هما الغضب والعدوانية.
حين يضطرب التناغم يبدأ الجسد بالتصرف بطريقة فوضوية مبعثرة، مما يحدث قمعا لنظام المناعة، الأمر الذي يؤدي لتفاقم أعراض أخرى، ويجعلك تدرك بوضوح تلك المعاني العميقة خلف كلمة «لا تغضب».
@LamaAlghalayini


