- في كثير من الأحيان يشعر الإنسان أنه بحاجة إلى متّسع في الرخص، ومزيد من المخارج التي تضمن له البُعد عن الشعور بالاختناق في جميع جوانب حياته، وهذا الشعور عادة يُعزَى إلى محاولة الإنسان إيجاد أسباب منطقية لاحتمال الروتين وصعوبات الحياة والخروج عن المألوف، وتجعله يشعر بالتجديد والدهشة، لكنه عادة ما يقع في معترك مع الضمير قد يقوده في نهاية الأمر إلى الشعور بمشاعر سلبية متضاربة من عدم الرضا.
- إلا أنه وفي إطار سعيه الدؤوب لإيجاد الأعذار «خاصة لنفسه»؛ حيث إن الأعذار للآخرين أبسط بكثير، ويمكن تغليفها بعدد كبير من الحجج، وجد الإنسان ما يُطلق عليه مؤخرًا بـ «الرخصة الأخلاقية»، وهو تعبير عن الحالة التي يبرّر فيها الإنسان تجاوزاته في الحاضر بحجة الرصيد الأخلاقي الذي يملكه بسبب أفعاله الحسنة في الماضي! وهي بلا شك حالة نفسية ترتبط بطبيعة الإنسان الخيّرة، ورغبته في تبرير أخطائه.
- وفي إطار تأمّلاتي حول الموضوع، أجد أنني شخصيًّا أصل لمواقف ما، أهمس فيها لنفسي: لا بأس هذه المرة يا مَي! وهذا الأسلوب من أساليب الخداع الذاتي نُبيحه لأنفسنا لتعزيز العقل اللا واعي بمشروعية أفعالنا الدخيلة على يومياتنا، والتي لا تشكّل جزءًا من شخصياتنا، ويكثر هذا الأسلوب تحديدًا لدى الشخصيات المنضبطة الواعية، والتي تتخذ من التنظيم والدقة طابعًا لحياتها، وهي شخصيات غالبًا قاسية جدًّا على نفسها، وهيّنة ليّنة مع الآخرين. ويقع ضمن هذا جميع التصرّفات التي نتردد في فِعلها، كمَن يبرّر لنفسه تناول أطعمة دسمة غير صحية بحجة أنه ملتزم بالتمارين الرياضية اليومية، وغيرها من التصرفات على هذا السياق.. ويمكنك التغلب على فخ «الرخصة الأخلاقية» من خلال إقناع النفس بأن الأهم هو الهدف من السلوك وليس السلوك بحد ذاته، بمعنى أنه عند التزامك بمبدأ ما وتبنّيك نمطًا معينًا من السلوكيات فإنك تتبنّاه لأجل الهدف منه، ولأن الهدف (الغاية) دائمًا مقنع بالنسبة إليك أكثر من السلوك (الوسيلة)، فإنك ستتجاوز هذا الفخ بسهولة وقناعة تامة.
- ومما يثير الدهشة والأسف معًا، استغلال بعض خبراء التسويق فكرة «الرخصة الأخلاقية» في الترويج لمنتجاتهم وبيعها على أعلى نطاق! فمثلًا نشرت إحدى شركات الطيران إعلانًا لمسافريها متضمّنًا خيار دفع رسوم إضافية تحت مسمى «التخفيف من الانبعاثات الكربونية» لمواجهة التغيُّر المناخي؛ مما يُعزز سلوك المسافرين للاستمرار بالسفر أكثر وأكثر؛ لأنهم يشعرون بأن لديهم رصيدًا أخلاقيًّا يعفيهم من الحرج طالما أنهم يدفعون مبالغ تعويضية!
@maiashaq



