لقد نجونا من كل أزمة عالمية مرَّت بنا خلال الخمس عشرة سنة الماضية، حين نظن أنها الأزمة العالمية التي ستردينا إلى الفقر بحسب نبوءات صندوق النقد والبنك الدولي، وإذا بنا ننجو، لا ركود كبير ولا كساد عظيم ولا تغيير ملحوظ في أنشطة أسواقنا وبالتالي لا سلبية عليها مباشرة، أسواقنا التي تقع في وسط العالم هذه ميزة لها بالطبع أن تحيطنا الأسواق العالمية، وإبان الإغلاق التام لم يتعرض الاقتصاد إلى ركود خطير، وحتى التضخم لم يجد له سبيلا في البقاء أمام نشاط التجارة العالمية والمحلية والتجارة الإلكترونية التي شكَّلت وقاية كبيرة للاقتصاد العالمي.
الحقيقة التي يجب إدراكها أننا نجونا من أزمات اقتصادية عالمية تكاد تورطنا في أزمات محلية، وإن تعددت أسباب النجاة التي منها تقليل القيود الجمركية وسلاسل التوريد، وتشريعات منظمة التجارة العالمية، ولكن يظل «المصنع العالمي الصيني» كما يطلق عليه، منذ تخطي الصين للأزمة العالمية 2008، صاحب اليد الطولى في هذا. ووفقًا لتقرير بعنوان «العالم والصين» الصادر عن معهد ماكنزي العالمي نُشر في 2019 ذكر فيه أن الصين كانت أكبر مصدر للسلع في العالم في 2009، ولكنها وفي عام 2013 باتت أكبر دولة تجارية في العالم، متخطية الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت متسيدة هذا المنصب، فتجارة الحرير منذ تدفقها عالجت كل العوالق المسببة للأزمات.
وفي تقرير لها مطلع العام بعنوان «The complication of concentration in global trade»، يتحدث عن «تركيز الصناعة» وسلبياتها على التجارة العالمية ويذكر أن ما بين عامي 2016 و2021، لم تتنوع واردات الاقتصادات الكبيرة التي استقرت على «التركيز» على ما هي عليه، ولم تسجل معظم القطاعات أكثر من 10% من التغيير في «التركيز». ولم يتضح ما إذا أدت الاضطرابات السياسية والاقتصادية لعام 2022 إلى أي تحولات سجلت في بيانات التجارة. بالمقابل فإن الاقتصاد الصيني المشفوع بالاستهلاك المحلي، ومنذ عام 2015 ساهم في الاستهلاك بأكثر من 60٪ من نمو الناتج المحلي الإجمالي. بالإضافة إلى كونها -الصين- أكبر سوق في العالم للبيع بالتجزئة عبر الإنترنت، تمثل حصة الدولة الآن أكثر من 30٪ من السوق العالمية في السلع الفاخرة والسيارات والأجهزة الاستهلاكية والهواتف المحمولة. ووفقًا لتقديرات البنك الدولي فإن إجمالي صادرات الصين بلغ 2.641 تريليون دولار سجل في عام 2019. كما تولي الدولة الشيوعية المزدحمة بالسكان أهمية كبيرة للعلم، وسجلت في عام 2017 أكثر من 279 مليار دولار كإنفاق سنوي على البحث والتطوير بحسب تقرير ماكنزي. والسر في ذلك «شعبيتها» وليس المقصود بها كثرة مريديها وإن كان كذلك، بل «شعبويتها» لما يرمز له هذا المصطلح من معنى حرفي، فالصناعة الصينية تختلف عن الغربية، ليس في كونها اشتراكية «شيوعية» وتلك رأسمالية كمبدأ وسياسة فقط، بل كونها تركز على أن تعم المنفعة الأطراف وليس التاجر فقط، لذا حاربت الفقر في بلدها وهي بمبدأ الانتشار وليس «التركيز» لم تحمِ اقتصادها فحسب بل حتى اقتصادات العالم، حين أبقت على النشاط التجاري بحلول مبتكرة نشطا ومنتشرا.



