قد نُصاب بالدوار والتعب النفسي والأمراض حينما يُكتب في بطاقة الدعوة «ممنوع التصوير» أو بتشديد أكبر «ممنوع الجوال» بمعنى أنه ستتم مصادرته فترة المناسبة التي لا تتعدى سويعات وتنقضي، رغبة من أصحاب الدعوة للحفاظ على الخصوصية، ورغم أنه تم التنبيه المُسبَق إلا أن أصحاب الدعوة بعد انتهائها لا يرون إلا الوجوه العابسة ونظرات اللوم والغضب، فلم تشفع كل الجهود المبذولة في إدخال السرور على المدعوين وإكرامهم فالعقل الباطن يكرر «يا ليل!!» وتأتي بحسب مخزون المدعو من كلمات الشتم، والحقيقة أن احترام رغبة أصحاب الدعوة والاستجابة لأنظمتهم وما يرونه صالحًا لهم من ذوقيات الدعوة وإتكيتها وأدبياتها! وبمتابعة العُرس الملكي الأردني لم يحمل أي من المدعوين الجوال، رغم أن كل تفاصيل المناسبة تقول «صوّرني»! وبتسريب بطاقة الدعوة لذلك العُرس، كان من ضمن التعليمات: عدم حمل الجوال والتصوير! وهذا التوجيه كان لشخصيات مرموقة، ومع ذلك الكل ملتزم بكل أدب، وكذلك الأعراس في الأسر الأوروبية، كزواج وليم وكيت وهاري وميقن وغيرهم يجلس المدعوون كما يرى المنظمون، والأهم عدم التصوير، وبالرغم من أن تلك المناسبات مشاعة للعامة إلا أنهم يرغبون في أن ينشروها عن طريقهم وطريقتهم، أما أعراسنا بالرغم من بساطتها إلا أن ضيوفها يدخلونها مدججين متأهّبين للانقضاض! وكأنهم يدخلون معركة «غصب طيب عطونا جوالنا»! و«بالطقاق» للداعين! ويبدأ التحليل الحريمي «من زينهم! من زين عُرسهم، من باقي يأخذ الجوال!..»، وقد حدثتني إحدى الصديقات عن تشديد العريس في منع التصوير، وحساسيته من هذا الجانب لعلمه عن طريق أخواته بتسرّب الصور، وأن من تصور تلتقط كل ما حولها دون أدنى مسؤولية، خاصة أن في الأعراس تخلع النساء أحجبتها، وتأمن على نفسها، وقد تنتشر صورها وهي لا تعلم. وفي موقف غريب صوّرت إحدى المدعوات نفسها وصديقاتها «سيلفي»، وأرسلت الصورة لمجموعة العمل بدل أن ترسلها لمجموعة خاصة، ثم دخلت في دوامة التوسل والرجاء بحذفها، وأخرى صوَّرت العروس ونشرت صورتها، مما أثار حفيظة العريس وأهله، وبدأت خلافات لم تكن لولا «متلازمة التصوير» التي أصبحت ركنًا لا تتم الحياة إلا به، ولأن الصور في الجوال قد تتسرب بضغطة زر، فمن المنطقي ألا يتم التساهل في هذا الأمر، وقد حضرت إحدى المناسبات، وكان الجوال سيد الموقف، فلم تهدأ كاميرته، وبوصول العروس انتفض الجميع، ووقفن وقفة رجل واحد!! ولم نسمع إلا صوت «تشك تشك تشك»، وكأنه مؤتمر صحفي! حتى المصورة شكت في نفسها، هل هي المصورة أم لا؟ ولسان حالها يقول «وشوله جايبيني»!!
ولا عزاء لمفتشات الجوال اللاتي يتعرضن للإيذاء في مصدر رزقهن! فهن لم يتطفلن على المكان، وإنما هن موظفات لغرض رغبة أصحاب المناسبة يجب احترامهن، وليس شرطًا أن يكون هذا العمل من باب التشكيك في مسؤولية الناس وذممهم، وإنما تم التعميم على الجميع لردع عدد محدود يرون «لقط» الآخرين و«حشرهم» دون علمهم في ثنايا صورهم أمرًا عاديًّا! والناس في قناعاتهم وأفكارهم مختلفون.غبطة:
ينتابني شعور بالغبطة، بأن الشخصيات التي كلما تعقدت الأمور وتشربكت حلَّتها وخففتها نكاتهم، وتسهيلهم للأمور لا تهويلها!! كما فعل البحتري عندما أهدى له الخليفة العباسي المتوكل فرسًا فمات من يومه، وأنشد مخاطبًا المتوكل:
أهديتني أعجوبةً.. بين الخلائق نادرة
فرسًا كان هبوبها.. مثل الرياح الطائرة
في ليلة قطع المسافة.. من هنا للآخرة



