كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمشي، وعليه بُرْدٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌ فجَذَبه بردائه جَذبَةً شديدةً، فأثّرتْ حاشية البُرْد على عاتقِ رسولِ الله، ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مالِ الله الذي عندك.
فالتفتَ إليه رسولُ الله ثم ضحك، وأمَرَ له بعطاء.
قد يتعرض شخصان لنفس الموقف، تحت نفس الظروف، ثم يتصرفان بشكلٍ مختلف تمامًا. فيا ترى ما السبب؟!
يقول ستيفن كوفي في كتابه «العادات السبع للناس الأكثر فعالية»: إن 10% من حياتنا تتشكل من خلال ما يحدث لنا، بينما 90% منها يتم تحديده من خلال ردود أفعالنا!!
بمعنى أنه لا يمكننا السيطرة على 10% مما يحدث لنا، كأن نمنع سقوط طبق الطعام من يد النادل على ثيابنا واتّساخها، أو كلمة طائشة قالها أحدهم في مجلس، أو الازدحام في الطرقات مثلًا.
ولكننا نستطيع اختيار ردة الفعل المناسبة التي لا تعكّر صفونا، ولا تفسد يومنا، ولا نخسر بسببها صديقًا، أو نكسب إثمًا.
كان بإمكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يردَّ على ذلك الأعرابي ردًّا قاسيًا، أو يمنع عنه العطاء. لكنه «عليه الصلاة والسلام» اختار أن يرد بابتسامة ويعطيه، لينتهي الموقف عند ذلك، دون أن يترك أثرًا في نفسه أو يشغله سائر يومه.
إن «البرمجة الشخصية»، تؤثر كثيرًا في اختيار ردود أفعالنا، وتنحاز لأحدها دون غيره.
والبرمجة الشخصية «softwear» التي أقصدها هنا، هي نتاج كل ما يقبع في «اللا وعي» لدينا، من آثار النشأة الأولى والتربية، والتجارب السابقة، والخبرات التراكمية، والمعارف والمعلومات، ومدخلات التغذية الراجعة التي تخزّنت عبر السنوات.
فإذا كان الشخص نتيجةً لبرمجته الشخصية مرتابًا في نوايا الآخرين وتصرّفاتهم، فإنه سيتعامل معهم بناءً على ذلك، وسيكون حذرًا منهم، يقدّم الظن السيئ بهم على الحَسَن.
وإذا كان يعتقد، نتيجةً لبرمجته الشخصية، أنه محور الكون ومحط الأنظار، فإنه سـ«يشخصن» كل كلمة تقال وكل تصرّف بأنه هو المقصود، وبالتالي فعليه الرد وتحجيم الآخر.
وربما كان الشخص، نتيجةً لبرمجته الشخصية، فاقدًا للثقة بنفسه، لا يستطيع مواجهة أي تحدٍ أو خوض أي تجربة قد تبدو صعبة، أو حتى الدخول بعلاقة جديدة.
وعلى العكس من ذلك كله، تجد سليم الصدر يحسن الظن بالآخرين، ومن عرف قدر نفسه لم تهزّه كلمة طائشة أو تصرّف أحمق، والواثق من نفسه يُقْدِم ويرى في التحديات فرصًا للتعلم والتطوّر والمتعة.
وقِسْ على ذلك الكثير من الأمثلة الحياتية التي نعايشها يوميًا.
ويبقى السؤال: هل أستطيع إعادة ضبط «البرمجة الشخصية»؟
والإجابة -في رأيي- نعم.
ولكن هذه العملية تحتاج لوعي كبير، وربما تحتاج وقتا طويلا، ومجاهدة للنفس، ومراقبة دائمة لردود الأفعال، حتى تصبح مع الوقت هي البرمجة الشخصية الجديدة. وكما قال الرسول «صلى الله عليه وسلم»: «إنما العِلمُ بالتَّعَلُّم، وإنما الحِلْمُ بالتَّحَلُّم».



