بلا لون بلا طعم بلا رائحة..
هكذا تغدو رتابة أيامنا في خضم حياتنا اليومية وإيقاعها اللاهث دوما، نذهب إلى العمل، نغرق في شوارع الرياض المزدحمة، نتسلل إلى المطاعم المكتظة ذاتها، والمقاهي التي من فرط ما ألفناها فقدنا الإحساس بها، ضمن هذا الإيقاع الرتيب في سياق حياتنا اليومية يأتي (موسم الرياض) مخلخلا لرتابة اليوم، ومدهشا لجماعات اعتادت الألفة دوما، وملبيا لحاجات تتصل بالمتعة على اختلاف منابعها، فمن متعة البصر إلى متعة السمع مرورا بتلبية متعة الطعام وانتهاء بمتعة اللعب وفعل المؤانسة.
ولأني لا أجيد فن التطبيل، ولأني أخشى ما استطعت من التسرع في الحكم على النتائج، فإني آثرت أن أكتب هذا النص بعد مرور أربع سنوات من عقد الموسم الأول الذي بدأ عام 2019، ثم توقف بسبب جائحة كورونا عاما واحدا ومازال مستمرا، وعلى خلاف السيناريوهات الشائعة مع التجارب الجديدة تلك التي يكون عنصر الإبهار فيها في المرة الأولى فحسب ثم يضمر بعد ذلك، فإن عنصر الإبهار في تجربة مثل (موسم الرياض) يزداد كل عام عن سابقه.
ليس من السهل حصر أسباب نجاح الموسم أو تلمس طرائق استمراريته وحفاظه على عنصر الإبهار كل عام، فالأسباب متشعبة ويصعب رصدها جميعا، غير أن بالإمكان الإشارة إلى الإستراتيجية المتبعة في الموسم، وهي إستراتيجية تنهض على مبادئ ثلاثة يكمل بعضها بعضا، مبدأ الملاءمة، ومبدأ التنوع، ومبدأ التطوير المستمر.
وأعني بمبدأ الملاءمة التناسب والانسجام والموافقة لحاجة الشخص حسب جنسه وعمره واهتماماته ومستواه المادي أيضا، مما يجعل من فعاليات الموسم مركزا لاستقطاب الأفراد على اختلافهم، فثمة فعاليات للأطفال وأخرى للمراهقين وبعضها مناسب لكبار السن، وبعضها الآخر موجه لفئة الشباب. كما تتفاوت الفعاليات ما بين فعاليات تتخذ سياسة الرفاهية والبذخ في مقابل وجود فعاليات مجانية أو بمقابل رمزي.
وفضلا عن هذا المبدأ، ثمة مبدأ لا يقل أهمية عن سابقه، وهو مبدأ التنوع، فالفعاليات الترفيهية في موسم الرياض لا تقتصر على مسار واحد، ذلك أننا نجد فعاليات بصرية تنهض على فكرة العرض والاستعراض مثل المسرحيات وعروض السيرك و(الأنمي)، وفعاليات غنائية تتنوع هي الأخرى ما بين حفلات للغناء الكلاسيكي والشبابي والطربي والصاخب ونحوها. وللطعام فعالياته أيضا، فالموسم يضمن لك تجربة عيش التلذذ في مطاعم عالمية، وتذوق المأكولات الفلكلورية الخاصة بالشعوب الأخرى في تجربة فريدة تتمظهر في (البوليفارد وورلد) على سبيل المثال، ومن طريف ما يمكن أن تجربه تلك المطاعم التي تتضافر فيها متعة التذوق مع متع بصرية أخرى، فتضمن لك عيش تجربة شعورية مختلفة فتجد نفسك محاطا بالزهور تارة أو في مطعم يحاكي حكاية من حكايات الزمن الجميل بديكوراته وأغانيه والعروض المسرحية المقدمة فيه، وقد تجد نفسك في مطعم يغرقك في عوالم الرعب بين الجماجم والهياكل العظمية، فضلا عن فعاليات الموسم التي تلبي حاجة النفس إلى اللعب والمؤانسة مثل تجربة الملاهي المتنقلة (ونتر وندر لاند) والفعاليات الخاصة بالرماية والقتال والتزلج ونحوها، وتجربة التقمص المسعد إن جاز التعبير حيث تخصص أيام معينة في بعض الفعاليات لإتاحة ارتداء زي معين مثلما يحدث في الاحتفال بيوم التأسيس أثناء الموسم، أو فعالية (خلاقين الشتاء) أو (الأميرات الصغيرات) ونحوها، ولا يخفى أن في التقمص ما يؤثر تأثيرا إيجابيا على نفس صاحبه وعلى أنفس المشاهدين له أيضا، فالأثر المسعد ينتقل بدوره إلى المتفرجين بفعل الاندماج فيضحكهم.
ولعل المبدأ المغذي لعنصر الإبهار في الموسم يكمن في مبدأ التطوير المستمر الذي يتجلى في هوية هذا الموسم (فوق الخيال) وفي الثيمة الغنائية التي تتكرر كل عام (تخيل في الرياض صار اللي ما قد صار)، فما شاهدناه في 2019 مختلف تماما عن 2021 (نذكر أن الموسم توقف فترة الجائحة) وما نشاهده الآن أفضل من سابقه من حيث عدد الفعاليات وتنوعها واتساعها، وتوسعها قليلا في غير الأماكن التي اعتدنا عليها، والعناية بالتفاصيل الدقيقة مثل زيادة مساحة المواقف في أماكن الفعاليات، وعدد المنظمين، وسهولة الإجراءات، ومراعاة الظروف الجوية خاصة في مدينة مثل الرياض، فلا شك أن بعضنا لاحظ السعي في تحويل بعض المسارح المفتوحة إلى مغلقة لضمان عيش تجربة ترفيهية مريحة على سبيل المثال، ونستبشر خيرا في الموسم القادم أيضا أن تسد فيه بعض الثغرات وتقوم فيه جوانب الخلل.
إن حرص الموسم على هذه المبادئ الثلاثة (الملاءمة، والتنوع، والتطوير المستمر) جعلت منه نشاطا منافسا لأنشطة سياحية أسبق منه زمنا في دول أخرى إن لم يكن متفوقا عليها، ولا أظن أني أبالغ إذا قلت إن موسم الرياض جاء هذا العام أيضا (فوق الخيال)، فهو يضمن لك تجربة إسعادية فريدة يظل عنصر الإبهار مشتغلا مادمت فيها !



