يفِد إلى عالمه الجديد بصرخة، يشعر مَن حوله بوجوده، ثم ما يلبث أن يهدأ بعد أن تضمه أمه إليها ليشعر بالأمان، يكبر يومًا بعد يوم، وهو يعتمد فيه على والدته في كل شيء، ويبدأ بالتعرف عليها عبر نظراته البريئة، فيشعر بالسعادة والفرح كلما اقتربت منه، ثم يدخل إلى حياته شخص جديد، يحبه ويحرص عليه، ويتواجد بقربه إذا غابت عنه والدته.
ثم تبدأ أولى مراحل اعتماده على نفسه، عندما يحبو قبل أن يمشي؛ ليتعلم أن الحياة عبارة عن كفاح وعمل واجتهاد، يحاول بعدها أن يقف، فيسقط، وقد يرتطم بشيء ما، إلا أنه رغم السقوط والألم، لا يمنعه ذلك من الاستمرار في المحاولة؛ لأن ذلك يُعتبر بالنسبة إليه درسًا يتعلم منه كيف يرتقي ويتقدم في سلَّم الحياة؛ لأن الارتقاء طريق صعب، يحتاج فيه إلى اجتياز اختبارات كثيرة، قد ينجح في بعضها وقد يفشل في بعضها الآخر، ولو أنه استسلم ولم يكافح، لتوقف عند أولى درجات السلم.
يكبر ويتعلّم الجري، ويعرف أنه يستطيع بالسرعة، أن يتحصّل على أمورٍ، أكثر بكثيرٍ من البطء، ثم يعرف أيضًا أن السرعة، دون أخذ الحذر، أمر مهلك؛ لأن الإنجاز، كما أنه يحتاج إلى سرعة، فهو يحتاج للإتقان كذلك، وإلا شاب العملَ كثيرٌ من الأخطاء.
تمضي السنون، ويشِبّ ذلك الطفل ويصبح رجلًا، أو تكبر تلك الصغيرة فتصبح امرأةً، ثم تُعاد الكرَّة مع وافدهم الجديد، فالشاب صار أبًا والفتاة صارت أمًّا، فيعرف كلٌّ منهما عند ذلك، كما عانى والدهما في تربيتهما، وعند ذلك يعرفان حقوقهما عليهما ويسارعان في طلب رضاهما، فسبحان مَن رزق وأعطى وأنشأ وأصلح وهدى.
قال تعالى (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَى وَعَلَى وَالِدَي وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).



