كنت أتحدث مع إحدى الصديقات تقول عن إحدى بناتها في حسرة: «هاذي بالله مين يبغى يتزوجها؟»، والغريب أن تلك الفتاة بالذات من بين بناتها التي أتوقع أن تكون حياتها الزوجية أكثر من موفقة «بإذن الله تعالى»، لماذا؟
لا تستغربوا!!؛ لأنها وبدون مبالغة تملك كل مقومات الجمال الحقيقي الذي يؤهّلها لحياة زوجية وأسرية أجمل وأسعد من غيرها.
الفتاة التي أعني لديها جمال روحي نابع من الداخل، والجمال الروحي بالتأكيد بريقه يُشعُّ ولا ينطفئ، يعطي انطباعًا كبيرًا، ويدل على شخصية مميزة تتألق وتسمو في كل وقت، ومع كل فعل وقول، تلك الفتاة وأمثالها إناثًا وذكورًا ممن يملكون جمال الروح، منحهم الله نقاء النفس، وطيبة القلب، ودماثة الخلق، منحة ربانية، زد عليها قوة الإيمان بالله، والتمسك بالفضيلة، فكان قدر القبول بالزواج ممن أعنيهم بقدر الرقيّ الخلقي السامي الذي يملكونه.
أخطأت الأم الحُكم؛ لأنها تعيش عالم الماديات، وتؤمن بالمظاهر، وتنظر للجمال الخارجي الذي قد يكون مزيفًا، ولا تنظر للجوهر.
بالفعل، أفضل ما يُقال عن الجمال الروحي، أنه لا يُرى بالعين المجردة، بل يُرى بالإحساس والشعور، والمعاملة الحسنة التي تميِّز شخصية الإنسان الحقيقي الجميل من الداخل.
«إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» عليك أفضل الصلاة وأجل التسليم يا رسول الله. وهذا أكبر دليل على أن الجمال ليس جمالًا حسيًّا ماديًّا، وإنما هو جمال معنوي له أثره الكبير على النفس البشرية.
أؤيد رأي الأديب والكاتب محمد مختار جمعة في الجمال، حيث ذكر أن «الجمال الحقيقي هو جمال الجوهر، وجمال النفس وجمال الروح، وجمال الأخلاق وجمال العقل، فإذا انضم إلى هذا الجمال جمال الشكل والمظهر، فما أجمل الإنسان إذا سرَّك مظهره ومخبره معًا، غير أن جمال النفس ومظهرها وسموها هو المقدَّم، وهو الأعلى قيمة والأبعد أثرًا.
وأنا أقول: لوحة جمال الروح لا تكتمل بلون فقط، ولكن تكتمل بألوان قوس قزح الزاهية المتعددة، والمتنوعة، فلكل وصف لون ومعنى.
لنستشهد بقول رسول الهدى «عليه الصلاة والسلام»: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ ودِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ».
و«تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ».
إذًا الدين والخلق أولاً قبل جمال الخلقة، الجمال وارد، والقبح وارد في الشكل، لكن الله لا ينظر إلى الصور والأشكال؛ لأنها خلقة الله، ـ وخلقة ربي شريفة ـ لكنه سبحانه ينظر لأعمال الإنسان خيراً كانت أم لا.
الجمال أمر نسبي، والذي نراه اليوم ربما لا نراه غدًا، والزمن لا يقف، والأيام تمضي مسرعة، وجمال الأمس قد لا يستمر، ولا شيء يدوم، والدوام لله «سبحانه وتعالى».
aneesa_makki@



