لا شك في أن البيروقراطية هي العقبة الأولى في أي قطاع يُتوقع منه أن يسير إلى التنمية، ويُبحر في أعماقها، وكذلك الجفاف الفكري هو المعوِّق الأول لأي مشروع ينوي أن يتطور.. لذا فإنه من الطبيعي في أي عملٍ متطوِّر ويتنامى بسرعةٍ مدهشة أن يخلو من العقبة الأولى والمعوِّق الأول!
ومع التطوُّر الإداري في الدولة -أيَّدها الله- نجد أن أول ما تمَّ تكسيره هو أصنام البيروقراطية. ثم تمت إحالة أصحاب الجفاف الفكري إلى «التقاعد» مع الشكر لما قدَّموه في أوقات عطائهم والخصوبة الفكرية. والآن آن أوان جني الثمار والراحة والتمتع بما بقي من العمر حول العائلة والأصدقاء.
ومع هذا فإن البيروقراطي والجاف فكريًّا، لا يرون هذا الرأي ويظنون أنه ما زال في النفس بطولة تتأجج لدعم عجلة التنمية. لذلك بدأ كل منهم البحث عمّن يقدِّر هذه الصفات التي يتمتع بها، وللأسف ولكون القطاع الخيري قطاعًا لا يزال يعمل بطُرق تقليدية فإنهُ الحاضن الأول لهذا البيروقراطي وهذا المفكر الجاف. فما كان منهم إلا أن يتوجَّهوا لهذا القطاع متأبّطين نِتاج إنجازاتهم في الزمن الغابر، ومعلّقين أوسمة شهادات التكريم والتقدير مشهرينها أمام مجالس الإدارة بالجمعيات الخيرية.
المجالس الإدارية التي بطبيعة الحال الراعي الأول للبيروقراطية، فتوافق على تعيين البيروقراطي والجاف في مناصب رفيعة!
لذا.. فليس بغريب أن يتطور العالم أجمع، وتتطور بقية القطاعات ويبقى هذا القطاع في دوامة التأخر والمشاكل التي لم تُحَل!
فكما قيل: «التنمية هي إحلال مشاكل جديدة مكان المشاكل القديمة» أو عملية حل مشاكل مستمرة. إلا أن البيروقراطي لن يرضى بمشاكل جديدة، ويدعم رأيه الجاف فكريًّا بكونه لا يُنتج له أي أفكار جديدة تؤدي بطبيعة الحال إلى مشاكل جديدة! لذلك ليبقى العمل كما هو نحاول إصلاح المشاكل القديمة بطرق قديمة.
فما يحتاجه القطاع الخيري اليوم هو استقطاب الكوادر المؤهّلة فكريًّا، وليس بناءً على المناصب أو الوجاهة. نحتاج إلى إنشاء إدارات تسويقية محترفة، وإدارات إبداعية، ورؤية مرنة تتعامل مع المتغيّرات المجتمعية، وتهيئة بيئات عمل جاذبة للعاملين ومساعدة للإنتاج.
ولا أتجنَّى على الحقيقة إن قلت إن البعض من جمعياتنا الخيرية ليست بحاجة إلى دعم مالي بقدر ما هي بحاجة إلى دعمٍ فكري وتجديد في البيئة العملية والكوادر العاملة.
نحتاج إلى شجاعة إزاحة البيروقراطية والجفاف الفكري وإيجاد قدوات ترتقي بالعمل بأفكار جريئة، وبتطبيق أكثر جرأة. فلا أهمية لأفكار لا يمكن تطبيقها.
@i_hs149



