يقول الجاحظ في معرض حديثه عن الكتابة والكتاب من كتابه الحيوان «ولولا الكتب المدونة والأخبار المخلدة والحكم المخطوطة لبطل أكثر العلم ولغلب سلطان النسيان سلطان الذكر، ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار، ولو تم ذلك لحرمنا أكثر النفع، إذ كنا قد علمنا أن مقدار حفظ الناس لعواجل حاجاتهم وأوائلها لا تبلغ من ذلك مبلغا مذكورا ولا يغني فيه غناء محمودا، ولو كلف عامة من يطلب العلم ويصطنع الكتب الا يزال حافظا لفهرست كتبه لأعجزه ذلك ولكلف شططا ولشغله ذلك عن كثير مما هو أولى به»، وهو تأكيد لما تحتله الكلمة المكتوبة في عصره وسائر العصور اللاحقة في قلوب العرب وعقولهم من مكانة عظيمة وقد ارتبطت بعقيدة مستقاة من مبادئ كتاب الله، كما أن الفتوحات الإسلامية المظفرة مكنت العرب منذ ذلك الوقت من تقبل ثقافات الغير والاستفادة منها من خلال انتشار الكتب وتداولها فيما بينهم، واستبقاء المآثر وتحصين المناقب لا يمكن أن يحفظ إلا من خلال الكتب كوسيلة هامة وحيوية من وسائل حفظ الحضارات ونقلها.
وليس صحيحا ما يقال أن الثورة المعلوماتية التي جاءت بها وسائل الاتصال الحديثة وما سبقها من وسائل واختراعات قد سحبت البساط من تحت الكتاب، فسيظل له رغم تلك المقولة الموغلة في الخطأ بريقه وأهميته فهو منبع الثقافة والعلم والأدب، فالكتابة من هذا المنطلق هي مادة الكتب المليئة بالعلوم والمعارف، وهي ذاكرة الأمم، وقد ذكرها رب العزة والجلال في كتابه الشريف من سورة الأعراف «وكتبنا له في الألواح» وذكرها في موقع آخر من سورة المجادلة «كتب الله لأغلبن أنا ورسلي» وفي موقع ثالث من سورة الانفطار «وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين» حيث نسب جلت قدرته الكتابة إلى ملائكته، ولعل أجمل ما قيل عن الكتاب هو ما قاله الجاحظ الذي استشهدت به أيضا في صدر هذه الزاوية حول تبيان أهمية الكتب، فهو يقول من كتابه الشهير المحاسن والأضداد «والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجود بيانك وفخم ألفاظك وبجج نفسك وعمر صدرك ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك، يعطيك بالليل طاعته بالنهار، وفي السفر طاعته في الحضر، وهو المعلم إن افتقرت إليه لم يحقرك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن عزلت لم يدع طاعتك، وإن هبت ريح أعدائك لم ينقلب عليك».
[email protected]



