ففي الصحراء لا توجد مناظر ترسم فالمنظر يتكرر يمينا وشمالا يمتد إلى ما لا نهاية، ولكن نجد ساكنيها قد رسموا صورا مختلفة... رسموا أجمل الصور الشعرية وتفننوا في استخدام اللغة التي انتقلت معهم بالخفة التي يتطلبها ترحالهم وتنقلهم في الصحراء، فعاشت أشعارهم إلى يومنا هذا نسمعها ونتغنى بها وندرسها ونتعلم منها. يذكر عن الجاحظ أنه قال «إنما الشعر صناعة وضرب من النسج (صبغ) وجنس من التصوير»، ويذكر أيضا في وصف شعر ابن الرومي انه ينظر إلى الأشياء بعين مصور صناع لا يفوته لون من الألوان......، فهو فنان لا تنقصه إلا الريشة واللوحة، بل لا تنقصه هاتان، ولأنه استعاض عن الريشة بالقلم، وعن اللوحة بالقرطاس، فاكتفى بهما، وأثبت في النظم البديع ما لا تثبته الألوان.
هكذا شكلت البيئة ساكنيها ودفعتهم إلى الإبداع فهم في تفاعل معها وفي تطوير دائم ليستفيدوا من بيئتهم وليحسنوا من معيشتهم، فهي تلونهم بلونها وتنحتهم بصفاتها. هكذا شكلت البيئة ساكنيها ببساطة خيامهم المتنقلة التي لم تكن تقيهم حر الصحراء وقسوتها. اليوم ومع التطور الذي نعيشه نلتمس هذا التأثير بين البيئة والسكان في أبسط الأمور، فبرغم العمران والتمدن الذي أبعدنا عن ذلك المناخ الصحراوي إلا أنها ما زالت ترسم خطوطها على سكانها، في إنتاجهم وفي صفاتهم وطباعهم. فكيف سيكون هذا التفاعل مع حلول مستقبلية بتقنيات أعلى؟
هنا تبدأ العمارة فعلا في تشكيل شخصية ساكنيها بطرق مختلفة.... لا العكس. إن مثل هذه الحلول المتطورة والتي تتفاعل مع البيئة الصحراوية القوية نراها في تصميم ذا لاين وأكسجين في نيوم، ونرى فيها تحديات من مستوى آخر.... ففيها تبنى المشاريع بتقنيات تتلاءم مع هذه البيئة الصحراوية وتعيد تشكيل سكانها وتبعدهم عنها... فلابد للخيال أن يرتفع ويعلو إلى أعلى القمم ليغير الواقع، ليبني بيئة معمارية تختصر الوقت في التنقل وتختصر الوقت للعمل وتنتج تجربة حياتية مختلفة، وكأن سكانها يعيشون في عالم زمني آخر مختلف عنا، عالم يختصرون فيه أوقاتا كثيرة بالمقارنة معنا... بيئة معمارية تشكل أفرادا ومجتمعات لديها جدول زمني مختلف عنا وتقنيات مختلفة، إمكانيات إنتاج واتصال مختلفة عنا.... هنا تفاعل مختلف لقوة المكان وعلاقته بالسكان.
إنستجرام: Dr_fatima_Alreda



