موضوع اليوم ليس عن الزي الموحد كما عهدناه في حياتنا اليومية، ليس عن أطقم عمال المطاعم، أو ممثلي المبيعات في وكالات السفر، أو مندوبي الوكالات التجارية، أيا كان مسماها. إنه زي موحد من نوع آخر، على مستوى آخر، بزي آخر، في زمن موحد آخر، لينقلنا إلى عالم آخر.
الإحرام هو أول شروط الحج. فلا حج بلا إحرام. وركن الشيء أساسه فإذا غاب الركن هدم البناء. ونظرا لأهمية الإحرام (الزي الموحد في الحج) فقد تصدر أركان الحج، هذا مدعاة للتأمل. قبل الإحرام ما زال الحاج في عالم الدنيا، في عالم أرضي، مشدودا لعالمه الدنيوي بكل تفاصيله الدنيوية. لكنه عندما يحرم ينفصل بروحه ومشاعره وفكره وإحاسيسه عن الدنيا، وإن ظل ملازما لها بجسده. عندما يحرم الحاج ينتقل إلى عالم آخر، عالم ترك من أجله كل شيء. ترك موطنه وأهله وعمله وكل شيء واتجه صعودا إلى بارئه. لباس الإحرام بحد ذاته تجربة روحية يتخلى فيها الحاج عن لباس الدنيا ليتوشح لباسا يقف فيه فردا أمام خالقه. انظر إلى اللون ورمزيته. وهل هناك لون آخر يبز الأبيض سموا ورمزا؟. اللون الأبيض لون الشمس، لون الضياء، لون النور، ولنتذكر سورة النور. انظر إلى مشهد الحجيج وقوفا فرادى في عرفات، وانظر نفرتهم صوب المزدلفة في صوت هادر خاشع وتأمل مبيتهم فرادى مرة أخرى في المشعر نفسه بلباس الإحرام قبل رمي الجمرة الكبرى ونحر الأضحية. انظر إلى هذه الجموع الهادرة، بزي موحد، بلون أبيض. إنه مشهد لا يتكرر قط في أي بقعة من بقاع الأرض.
في الفيزياء، القانون يبقى قانونا فقوانين نيوتن وانيشتاين في الجاذبية وطبيعتها ثابتة لا تتغير، لا تنكسر. لكن قوانين البشر في أزيائهم تتحطم تحطيما أمام شعيرة الإحرام. هنا لا مكان للتباهي باللباس بين الحجيج، بين رئيسهم، ومرؤوسهم، بين من أتى من مشارق الأرض، ومن أتى من مغاربها، وإلى أي عرق ينتمي، وما لون بشرته.
الحج معروف في كثير من الثقافات والأديان، فالحج إلى الفاتيكان وكنيسته الكاثوليكية الأكبر في العالم طقس يمارسه العديد من المسيحيين الكاثوليك، وللهنود بملايينهم حجهم نحو نهر الجانج، وللبوذيين طقوسهم في تسلق جبال التبت حبوا حينا ومشيا حينا آخر للوصول نحو أقدس الأقداس لديهم في أعالي جبال التبت، وقد كان لحضارات الأنكا طقوسهم الخاصة بالحج. غير أن لباس الإحرام يؤكد عالمية الإسلام وسموه وقدسيته وتفرده.
الإحرام مشهد كوني ثابت يشع به الإسلام على البشرية أياما معدودات لكي تتأمل. الإحرام مناسبة للمسلمين وغير المسلمين للتأكيد على أخوة البشر، وتساويهم، ووحدتهم في إنسانيتهم وفي وحدة مصيرهم وحاجتهم للتأكيد على الجوانب الروحية في الحضارة الإنسانية اليوم، تلك الحضارة التي ما فتئت باسم التقنية عن قصد أو غير قصد تعزل الإنسان عن أصوله الروحية التي هي أساس وجوده.
[email protected]



