الشاب كان مغرماً لحد الجنون بهذه الفتاة، وسبق أن تقدم لخطبتها أربع مرات ورفضته، وكان رفضها له صدمة نفسية كبيرة لم يستطع تحملها، فأقدم بعدها على فعلته الوحشية وذبحها كالنعجة في مكان عام وسط ذهول المارة ولم يحاول بعدها حتى الهروب.
فما هو السبب يا ترى وراء هذه الجريمة؟ وهل هناك سبب نفسي وراء هذه الجريمة البشعة؟ تبادل مشاعر الحب والعاطفة الجياشة بين الذكر والأنثى هو سلوك بشري طبيعي، والقبول والرضا من قبل الطرفين هو عنصر أساسي؛ لتكون هذه الصورة صحية وتعكس مشاعر إنسانية وضعها الله في النفس البشرية.
المشكلة تنشأ عندما يكون الحب من طرف واحد، وتتطور تلك الأفكار فيتصور ذلك الشخص أن هناك مشاعر متبادلة، وتتضخم تلك الصورة فتصبح هوساً شديداً يسيطر على حياته ويصبح الشاغل الوحيد الذي يسيطر على تفكيره وتصرفاته ويسمى ذلك في الطب النفسي اضطراب هوس الحب أو التعلق (Erotomania).
ومن أشهر مَن أصيب بهذا المرض في العصر الحديث هو جون هينكلي. وهو شاب أمريكي أصيب بهوس الحب والتعلق تجاه ممثلة أمريكية ناشئة في وقتها تدعى جودي فوستر، وكان يلاحقها في أي مكان تظهر فيه، وكانت تصده باستمرار. وأراد أن يبرهن لها عن حبه، فقام بإطلاق النار على الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان في حادثة مشهورة غطتها وسائل الإعلام وقتها بكثافة. وقد تم إيداع الشاب المعتدي مصحة عقلية لفترة طويلة، وتم تشخيصه بهذا الاضطراب.
ونرى مثل هذه الحالات في كثير من الأشخاص من المهووسين بعشق بعض نجوم الفن أو المشاهير، فيقومون بمطاردتهم في كل مكان يظهرون فيه، ويدّعون لمَن يعرفهم بأنهم يبادلونهم الحب، ويرسلون إليهم الرسائل والهدايا، ويحاولون بشتى الطرق جذب انتباههم ويعيشون على أمل كاذب أن يتجاوب معهم.
وهنا يبرز لنا سؤال... هل يمكن أن يقوم المحب المهووس بقتل محبوبته، التي ظل يطاردها بحبه في كل مكان بشكل مستمر؟ من يعاني من هذا الاضطراب يرى في محبوبته كل معاني الجمال والسحر فتطغى عليه مشاعره، ويحلم بها ليلاً ونهاراً، ويصبح تحت تأثير حالة من العاطفة الجياشة، التي تتملكه وتصيبه رغبة عارمة في تملك محبوبته بأي شكل حتى لو كانت هي ترفضه أو تكرهه، ويتصورها بشكل طفولي كأنها لعبة يريدها لنفسه ولا يفكر فيها كإنسانة لها خياراتها وإرادتها. ويتواصل هذا السلوك بدون تفكير، فقد تقدم ذلك الشاب مرتكب جريمة القتل لخطبة الشابة الضحية عدة مرات فرفضته ورفضه أهلها، ولم يردعه ذلك فاستمر في مطاردتها وكان يركب خلفها في الأتوبيس، ويحاول الجلوس بجوارها فترفضه، وقد حاول ملاحقتها بعد النزول فصدته، وحين تأكد في مخيلته المريضة رفضها له أصيب بصدمة شديدة، فلم يستطع تحمل فكرة أن تكون لغيره، فدفعه حب التملك المرضي إلى ذبحها بطريقة وحشية كما رأينا؛ لأنها في تصوره خانته. ويلاحظ ظهور مثل هذه الأعراض في الأشخاص، الذين حرموا الحب والحنان في مراحل نموهم المبكرة، فيصبحون متعطشين للحب، وحين يلتقون بمَن يعتقدون أنها فتحت لهم قلبها وتخيلوا أنها تبادلهم الحب، يحاولون امتلاك المحبوب ليتحقق لهم الإشباع العاطفي. وتظهر هذه الأعراض أيضاً لدى الشخصيات الانطوائية، التي تفتقر للذكاء الاجتماعي، الذي يمكنها من الاقتراب من المحبوب بشكل مقبول، حينئذ يحدث الإحباط العاطفي، الذي قد يتضاعف بوجود ضعف الثقة في النفس وتجارب عاطفية سابقة باءت بالفشل مصحوبة بمرارة الرفض والنبذ والمعاناة. وقد تزداد حدة تلك المشاعر بفعل تعاطي المخدرات والكحول، التي تطلق العنان لمخيلة الشخص المهووس وتأجج العاطفة وتفاقم من الضلالات، التي تصاحبها. البيئة الاجتماعية الصعبة قد تعقد الصورة، التي ذكرتها وتساهم في تفاقمها، وقد ينتهي ذلك بالعنف وجريمة مروعة. العلاج النفسي المبكر مهم وقد يكون سبباً في تجنب كوارث.
@almaiahmad2



