ولست أحدثكم اليوم عن النظام الدراسي الجديد، ولكن عن العطلة الصيفية، التي ستكون هذه السنة لمدة شهرين (ذي الحجة ومحرم)، ومن الطبيعي أن الإجازات تمضي سريعا ممن يحبون الراحة والدعة سواء كانت أربعة أشهر (كما كانت سابقا) أو شهرين كما هو الحال اليوم.
ومن المعلوم أن الراحة ليست مفيدة إذا كانت طويلة لأنها مدعاة للكسل والخمول، وتفتح باب تعكر المزاج والملل. وابن القيم قد قال: (راحة لمَن لا تعب له! فالإنسان حين يكون سبهللا (فاضي) يكثر من الشكوى والتذمر والتأفف. وقد جاء في الأثر الكثير من الأقوال في هذا الصدد، منها عن عمر الفاروق -رضي الله عنه- أنه قال: إني لأكره أن أرى الرجل سبهللا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة). وجاء قريب من هذا المعنى قول ابن مسعود -رضي الله عنه-: (إني لأمقت الرجل أراه فارغا ليس في شيء من عمل دنيا ولا آخرة). المقصود أن الفارغ متعب نفسيا وجسديا، وهو أيضا يفتح باب القيل والقال على مصارعيه، وقد جاء في الأمثال: (الفاضي يعمل قاضي).
ولا يعني هذا ألا يتمتع الإنسان بالإجازة من حين إلى آخر، فهي مفيدة للتجديد والاسترخاء، ولكن عندما تصبح طويلة جدا سيمل الإنسان حتى من نفسه، التي بين جنبيه!
وحتى حين تكون الإجازة شهرين، فهناك متسع من الوقت أن يُستفيد منها بعد أيام الراحة في عدة أنشطة قد تكون مفيدة وممتعة معا، فلا يعني أن العمل طول الوقت متعة ولا العكس صحيح (الراحة طوال الوقت متعة) فكلاهما فيهما إفراط وتفريط (أي مبالغة وتقصير)، وفي كثير من الأحيان التوسط هو خير الأمور. وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: (فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعطِ كل ذي حق حقه، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: صدق سلمان).
فبعد الدراسة الطويلة لهذه السنة ممكن أن تكون هناك راحة لعدة أيام، ثم تتبعها ممارسة لهواية محببة إلى نفس من قراءة ومطالعة أو أنشطة بدنية مختلفة، أو حضور ندوات ودورات قصيرة، أو أمسيات ثقافية نافعة، أو تعلم أساسيات لغة، أو المشاركة في أعمال تطوعية وغيرها من المهارات.
وفي واقع الأمر لن يعجز الإنسان أن ينظم حياته مشتملا على بعض الأهداف قصيرة المدى لهذه الإجازة. وكتابة بعض منها في قصاصة ورقة أو في الجوال سوف تدل على انطباع مبدئي على القدرة على الإنجاز خلال هذه الفترة. ومن خلال تجربتي، فإن مجرد كتابة بعض من النقاط والرجوع إليها من وقت إلى آخر ستكون محفزا ودافعا معنويا للمبادرة بدلا من ضياعها في كثرة النوم والأكل، وقد قيل: إن البطنة تذهب الفطنة!
وخلاصة القول سواء كانت الإجازة طويلة أو قصيرة، فكل سوف يعمل على شاكلته! فمحب العمل لا ينام طويلا وينجز كثيرا، وأما صاحب المخدة (كثير النوم)، فالزمن عنده نسبي، والمحصلة واحدة حتى لو كانت الإجازة ستة أشهر!
abdullaghannam@


