[email protected]
أظن أن الإنسانية دون سريان هذه الظاهرة ستغدو خالية من سائر العلوم والآداب والفنون، فهي وحدها القادرة على إعطاء الحياة من القيم ما يدعم الترابط الاجتماعي، فنقل الأحاسيس والأفكار عبرها يمثل أهم العناصر لبناء تشكيل الحياة الإنسانية الجميلة، فالتعبير عن الأفكار هو الطريق السالك نحو صناعة المعنى ونقلها بين الناس، فهي ركيزة حيوية من ركائز الحياة الاجتماعية، وقد اهتمت العقيدة الإسلامية بالكلمة على اعتبار أنها وسيلة التعبير عن الأفكار والمفاهيم مصداقًا لقول رب العزة والجلال في محكم تنزيله من سورة الرحمن: «الرحمن علَّم القرآن خلق الإنسان علَّمه البيان» فتسمية العلم بالبيان تكشف أهمية التعبير عن محتويات ومضامين الفكر؛ ليغدو كلمة مقروءة لها شموليتها المعرفية، وقد كانت كلمة «اقرأ» أول كلمة يسمعها رسولنا الأمين "عليه أفضل الصلوات والتسليمات" من الوحي المنزَّل للدلالة على أهمية المعرفة وما يدور في فلكها من علم.
وقد أشار المولى "جلَّت قدرته" إلى أهمية الكلمة في قوله من سورة القلم: «ن والقلم وما يسطرون» فالقسَم الإلهي بالقلم والكتابة يرسم أبعاد العِلم والمعرفة المهذبة للعقول والنفوس والقلوب، وبالتالي فإن الكلمة في جوهرها الاصطلاحي ترسم أنشطة البشر وأخبارهم وأحكامهم، فالكتاب هو وعاء الكلمة الشاملة للفنون والآداب والعلوم، وقد عززت السُّنة الشريفة أهمية العناية بالكلمة، حيث حث رسولنا المصطفى على التعليم والأخذ بأسبابه، ومن ثم فإن الدعوة الإسلامية شجعت الناس على القراءة والكتابة؛ ليتحول «فن الكتابة» فيما بعد إلى أداة تواكب ازدهار الحضارة الإسلامية، فهو «ابن شرعي»، إن صح القول، لتلك الحضارة الخالدة، واستجابة تلقائية ومباشرة لرسالة الإسلام، فهو فن عرفه العرب في ظل عقيدتهم السمحة، حيث ظهرت الرسائل الفنية الإنشائية ذات الصياغة الرائعة الأخاذة كتلك التي كتبها الحسن البصري للخليفة عمر بن عبدالعزيز يصف فيها الإمام العادل «اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل دائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق بها، الذي يرتاد لها أطيب المراعي ويذودها عن مواقع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والقر».
[email protected]
[email protected]



