التلقي هو مرحلة الاستقبال بدون أي ردة فعل أما التجلي فهو العكس هو مرحلة الظهور، أن يظهر إلى السطح ما كان مغمورا ومخبأ في الباطن. إن العلاقة بين التلقي والتجلي علاقة أساسية في كل العلوم فكل شيء يمر بمرحلتي التلقي ثم التجلي، وليس بالضرورة أن ما يتجلى هو ما كان يتلقى، بل في أحيان كثيرة يكون العكس. إن من أهم القطاعات إهتماما وتأثرا بهذه العلاقة هو القطاع التعليمي. فالنتيجة الأهم لكل مؤسسة تعليمية هي إخراج دفعات تتجلى فيها قوة التعليم والإبداع، وإنجاز كل أستاذ هو أن يرى ثمرة تدريسه للطلاب ليس فقط على ورقة الاختبار بل بتطبيقات في حياتهم العلمية والعملية. متى تتجلى العلوم التي درست فتنقل من مرحلة الاستقبال إلى مرحلة العطاء والإبداع؟ نعيش في عصر يقوده الزمن سرعة وتسارعا في كل ميادينه، في علومه واختراعاته، في فلسفته وأفكاره، في خططه وأحلامه. والزمن من الثوابت والحقائق العلمية التي لا يمكننا أن نغير فيها، فكل شيء خاضع للتغيير في منظومة ثابتة يحكمها الزمن، ويستغرق كل شيء عددا من الوحدات الزمنية ليتغير أو يتحول. إن بذور النباتات حاوية لأجنة حية ساكنة معها غذاؤها المخزن بصورة معقدة وبمجرد زراعتها وتوفير شروط الإنبات تبدأ الأجنة الساكنة تنشط وتنمو مستهلكة الغذاء المخزن في البذرة، تستغرق البذور أياما لتنبت البراعم وتستغرق السنين لتتحول إلى أشجار يافعة قادرة على إنتاج غذائها بنفسها لتبدأ دورة عطائها الخاصة ثم فترة شيخوختها. لا يمكننا إيقاف تأثير الزمن مهما حاولنا، فقد تمكن العلماء من إبطاء آثاره أو تسريعها ولكنهم لم يستطيعوا إيقافها. فكيف نستطيع ضغط كمية من العلوم في وقت قصير ونطالب بتجليها وأيضا تجلي الإبداع فيها؟ وهل يستطيع دماغ الإنسان الانتقال بهذه السرعة من مرحلة التلقي إلى مرحلة التجلي والإبداع؟؟ إن احترام زمن التعلم أمر في غاية الأهمية وقد أثبتت دراسة (ستكت) أن الفرد يتعلم شيئا محددا في كل وحدة زمنية، وهذا يستدعي إعادة النظر في محتوى المادة العلمية وتنظيمها بناء على درجات التعقيد. عقولنا كتلك البذرة الساكنة التي تحتوي أساسا على مقومات الإبداع وتنتظر المحفزات لتتفاعل وتبدأ في التجلي. إن التوقع الذي اقترحه ماير (Mayer) في ذكاء الموهوبين هو الزمن المستغرق الذي يستغرقه الموهوب في تزويد معرفة وخبرة ثم عملية وزمن استحضارها ونوع الصورة التي تظهر فيها المعرفة التي تختزنها والمسافة المعرفية بين الصورة الأولية والصورة التي تم استرجاعها. لكل إنسان موهبة وقدرة يختلف بها عن غيره، سواء كان على وعي بها أو لا. فالكل موهوب، يتشابه الأفراد في استعداداتهم البرمجية العصبية للتفكير، والإحساس، والمعالجة، وامتلاكهم للخلايا العصبية الدماغية، وتأثير البيئات الاجتماعية وأساليب تعلم التفكير وتأثير البيئات الثقافية. ومع هذه المتشابهات إلا أن كل فرد يتميز بامتلاك برمجيات عصبية خاصة به وهي ما تسمى ببصمة البرمجيات العصبية الدماغية كأساليب المعالجة والتقليب، المعالجات الحسية، التقاط المنبهات من البيئة بالتفضيلات، أسلوب تعلم التفكير والنمط السائد، نمط الشخصية، نمط الانفعالات الاجتماعية والثقافية، البرمجيات العصبية الكامنة، والتوقعات الممثلة بحصيلة كل العوامل السابقة. تقول باربرا كلارك: «إن من حق المواطن أن يحقق أقصى طاقاته للتعلم (التفوق والإبداع). ويتحقق ذلك في توظيف نظرية تعلم الدماغ لدى الموهوبين والمبدعين، أيا كان مجال إبداعهم. وحتى يتحقق هدف أقصى طاقات للتعلم يتطلب تدريب الموهوبين على توظيف أدمغتهم توظيفا متمكنا لخصائص خلايا أدمغتهم ودفعها للعمل وفق أقصى عمل»، ومن هذه الاختلافات يبدأ يتجلى الإبداع.
إنستجرام: Dr_fatima_Alreda



