يقول المثل الإنجليزي، فيل في الغرفة، وهي عبارة يراد بها الإشارة إلى بديهية أمر ما، فلا يستطيع أحد منا أن ينكر وجود فيل معه في الغرفة، ومع ذلك تجد أننا ننكر وجود أمور بديهية في حياتنا بحجج واهية، كدور الصلاة في سكينة النفس، ودور الوالدين في التنشئة السوية للأبناء، ودور المدرسة في التعليم، أو قل حتى في العلاقة المباشرة بين الإفراط في تناول الأطعمة السريعة والإصابة بالسمنة وتصلب الشرايين. تلك الحقائق وغيرها تعد أمورا بديهية وواضحة كوضوح عين الشمس في قارعة النهار، ولكن من يتبصر.
لذا نرى فئات من الناس لا يعترف ببديهية تلك الأمور وأهميتها في حياته، فتجده يفرط في صلاته هدانا الله وإياه، وآخر يعق والديه أصلحه الله، وطالبا يقصر في حضوره لمدرسته، وأفرادا لا تفارق أقدامهم المطاعم السريعة.
ومن زاوية أخرى، يمكننا الاستفادة من هذا المثل بشكل آخر، فكم من عوائق في حياتنا قد نراها كبيرة كفيل في غرفة، ولكن ما هي في الحقيقة إلا أوهام لا يراها غيرنا، وتمنعنا من المضي قدما في الحياة، وكأنها فوبيا تشغل حيزا كبيرا من حياتنا، وتقف كالجبل بيننا وبين تحقيق طموحاتنا وتطلعاتنا، ويمكن علاج ذلك باقتحام معارك الحياة وركوب مخاطرها دون تردد وتأخر لقطف ثمارها.
ونافلة القول، إن تضخيم الأمور عادة إنسانية غير صحية، تفضي إلى فوات أمور بالغة الأهمية والنفع على الأفراد والمجتمعات، فليس كل عائق فيلا لا يمكن إبعاده، ولا جبلا لا يمكن ارتقائه، بل أغلبها عوائق وهمية صنعتها أنفسنا، التي تخشى سبر أغوار الحياة، وتطلب السلامة وتأنس الدعة وتعشق الراحة، فالحياة سباحة عكس التيار، مَن لا يقاومها تجرفه الأمواج معها، وتتقاذفه، فلا يعرف أين ستكون نهايته، ولا أين ستتوقف رحلته.
قال أبوقاسم الشهابي:
ومن يتهيب صعود الجبال.. يعش أبد الدهر بين الحفر
فعجت بقلبي دماء الشباب.. وضجت بصدري رياح أخر
وأطرقت أصغي لقصف الرعود.. وعزف الرياح ووقع المطر
@azmani21



