أما في المطاعم، فيجلس الزبائن منتظرين تكرم مَن قبلهم في إتاحة الفرصة لهم في أخذ الدور على الطاولة لكنهم «حالفين» أيمان مغلظة أن يجعلوا ذلك المسكين يتقلب في جمر الانتظار حتى «يكره نفسه»، ففي كل طاولة زبائن ثقلاء يرون الساعة كالدقيقة، ويراها العاملون والزبائن المنتظرون كالسنة! وربما يحلل هؤلاء قيمة العشاء وينتقمون من غلاء الأسعار من طاقم المطعم وزبائنه!
وحقيقة بعض العادات الراقية القديمة نتمنى أن تعود، ففيها من الذوقيات والآداب الشيء الكثير، ففي بعض المجتمعات يخص المضيف ضيوفه بالأكل في غرفة خاصة، فإذا انتهوا أكل وأسرته وهو بذلك يوفر لضيوفه كامل الحرية والخصوصية ويضمن لهم الكرامة، التي يتمنونها ثم أنهم لا يكونون أقل مروءة منه حين يغادرون وليمته دون أن تطيش أيديهم في صحونه! بل وضعوا في حسبانهم مَن بعدهم!
وفي بعض الولائم، يتسابق الجميع في مساعدة المضيف، وإعانته على ترتيب بيته، فيختصرون عليه وقتا كان قد حمل همه، وجهدا أكبر من قدرته!
ومسكين ذلك الداعي، الذي حول مدعووه بيته إلى «زريبة» وأفسدوا عليه أثاثه وكسروا آنيته، وكأنهم قد انتهوا من معركة حامية الوطيس، خاصة إذا كان ضمن المدعوين أطفال كلما أفسدوا نظر إليهم والداهم نظرة زهو وإعجاب بهذا الفتح المبين! وتركاهم يعيثون في الأرض فساداً، وذلك الداعي يعض على يديه وينتظر لحظة الفرج مع إغلاق الباب خلف هؤلاء الثقلاء!ِ
وإذا صح تسمية هؤلاء الرفاق بالثقلاء، فمن «ثقالة» بعضهم دخولهم بحذائهم، الذي ضرب في الأرض بكل أجوائها ولامس التراب والمستنقعات والأسفلت ثم يدوسون بكل «بساطة» على بساط المسكين، بل يضعون رجلا على الأخرى بحجة «الإتيكيت»، الذي يمنع خلع النعال عند الدخول، ويقومون ويقعدون ويدهسون الأرض دهسا! ولولا الحياء وقرب الزعل من شراك نعل أحدهم لطلب منهم هذا الطلب البسيط «أخلعوا حذاءكم»
خاتمة:
ولأن من الأدب أنك إذا دعيت فأجب، وإذا طعمت فانتشر، ولا تحبس الناس، فقد عقد ابن عبد ربه في كتاب (العقد) بابا في الثقلاء أورد فيه: قالت عائشة -رضي الله عنها-: نزلت آية في الثقلاء (فإذا طعمتم فانتشروا في الأرض ولا مستأنسين لحديث).
@ghannia



