أثناء فترة النمو السريع في المملكة خلال الخمسين سنة الماضية نتيجة لعائدات النفط المرتفعة ومع قلة السكان تم النجاح في توفير الرعاية المتقدمة لجميع المواطنين مما نتج عنه تحسن في الحالة الصحية للمجتمع، ولكن بعد ذلك حدث تزايد في عدد السكان ومع الهجرة من الأرياف إلى المدن والاعتماد على الغذاء ذي القيمة الغذائية المنخفضة وقلة النشاط البدني بسبب الرفاهية ووفرة المال وزيادة الحوادث والإصابات، واجهنا تحديا جديدا في توجيه نظام الرعاية الصحية نحو الوقاية من الأمراض المزمنة التي نعانيها بمعدلات مرتفعة وكذلك التحول الكبير في نمط السلوك الصحي وما نتج عنه مثل داء السكري والسمنة والسرطان، وبحسب إحصاءات وزارة الصحة فقد تصل لأكثر من خمسة ملايين حالة مرض مزمنة متوقع زيادتها إلى ما بين ثمانية ملايين إلى عشرة ملايين بحلول عام 2030 وكذلك 75 % من السكان لا يجرون فحوصات منتظمة و60 % من السكان يعانون زيادة في الوزن أو السمنة، وللأسف فإن كفاءة نظام الرعاية الصحية الحالي لم يعد يواكب الأعباء العالية للأمراض والعجز، فيجب أن نكرر تجربة النجاج في تحسين الخدمات الصحية، لأن تزايد الأمراض المزمنة يوشك على التغلب على نظام الرعاية الصحية الحالي مما يتطلب منا نهجا تحوليا وليس تزايديا ومن دون هذا التحول سنعاني من مجتمع أكثر مرضا وتهديدا للنمو الاقتصادي الذي هو مبني على صحة المجتمع. لذلك جاء برنامج التحول الصحي في رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أحد برامج رؤية 2030 والتي تهدف إلى جودة الحياة للمجتمع من خلال التركيز على جودة الخدمة الصحية المقدمة والفعالية المالية، وقد تم اعتماد نموذج الرعاية وهو منهج فريد من نوعه يشمل ستة محاور وهي الرعاية الوقائية والرعاية العاجلة والرعاية الاختيارية ورعاية الأمومة والطفولة ورعاية الأمراض المزمنة والرعاية التلطيفية، وذلك من خلال تكامل الخدمات الصحية في تجمع صحي لكل منطقة، وحوكمة تلك التجمعات بعد تحويلها إلى شركات حكومية واستيعاب الصحيين العاطلين من خلال توطين المهن الصحية لسد العجز من الكوادر الوطنية، إن التحول الصحي لا يركز على المستشفيات فقط وإنما على صحة السكان بشكل عام حيث ستتولى مديريات الشؤون الصحية لكل منطقة الإدارة والإشراف على الحالة الصحية لتلك المنطقة والتي تعرف بأنها نتائج صحة مجموعة من الأشخاص متضمنة توزيع هذه النتائج خلال المجموعة، والتي من محدداتها البيئة الاجتماعية والاقتصادية، ويجري العمل حاليا على مشروع السجل الطبي الإلكتروني الوطني ومشاريع أخرى، إن التحول الصحي يسعى لمواجهة التحديات الحالية ومنها صعوبة الوصول للخدمات وزيادة وقت الانتظار وارتفاع أعداد المرضى في أقسام الطوارئ وقلة الأسرة وقلة الكوادر الوطنية الصحية. ومن الجانب المالي إن الإنفاق على المستشفيات وإهمال صحة السكان لم يعد مجديا في الوقت الحاضر وهو استنزاف للموارد المالية وهذا لا يعني السعي لتخفيض ميزانية الرعاية الصحية والمستشفيات ولكن خفض مسببات تلك التكاليف مثل الوقاية من الأمراض المعدية والحد من الأمراض المزمنة وحوادث السيارات والتي ينتج عنها التحكم بالتكاليف والاحتياجات الصحية بما يتناسب مع الموارد المالية للحكومة. حيث يعتبر الإنفاق في مستوى معين ومتوقع بحد ذاته معيارا لمرونة الاقتصاد الكلي للحكومة. إن برنامج التحول الصحي يعمل بالتوازي مع برامج أخرى في الرؤية والتي ترتبط ارتباطا وثيقا مع برنامج التحول الصحي مثل برنامج الإسكان وبرامج اجتماعية وبيئية واقتصادية أخرى تسمى محددات الصحة وكذلك التشريعات التي تهدف إلى تقليل المخاطر الصحية مثل فرض ضريبة على المنتجات الغازية والسجائر والالتزام بحزام الأمان لتقليل إصابات الحوادث. وذلك من أجل أن نصل إلى جودة الحياة التي نطمح إليها فيما بعد عام 2030.
[email protected]



