تلك الصورة أعادت أمام عيناي شريط ذكريات لا تُنسى لعائلة كان عِمَادها الجد والجدة وأركانُها الأب والأعمام، وحنانها الأم وزوجات الأعمام، ومرحها أختي وأخوتي والصديقة ابنة العم الوحيدة وأبناء الأعمام، والأمان بجيراننا الكرام (آل بالغنيم، الشمراني، الموسى والمندوه، فرعون والقباني، الروزي والسوادي، الخطيب، الراضي، العمري والشهري. وحارس منزلنا الوفي بشير).
ثلاثون عاماً على والدي وعائلته، وأربعة وعشرون عاما على قلبي.
ذكريات محفورة هنا وهناك ولكل زاوية نصيبها من الفرح والسعادة، الدموع والحزن، نصيبها من النصوص نصيبها من الانتصارات والصبر.
ذكريات دافئة وتفاصيل محبوكة بشكل دقيق لا يمكن ان ينساها قلبي.
لم يكن منزلاً عادياً كان منزل الجميع من الأقارب وحتى الأصدقاء لكل شخص منهم ذكريات مرتبطة به رغم حجمه المعقول لعائلة صغيرة إلا أنه كان قصراً يسع الجميع القريب والبعيد الغريب والقادم من السفر، جمع بين فرحٍ وحزن واحتفالات زواج وولادات، نجاحات كبيرة وصغيرة ولحظات سعيدة، الجانب الحزين لا بد منه عزاءٌ ومرض وشدة.
غادرنا المنزل خلال أيام معدودة قبل بدء الهدم بأيام قليلة، قلوبنا أبت أن تغادر، غادرنا نحن على عجلة وكأننا نهرب منها.. وبقيت هي هناك متعلقة، حتى صوت عُكازة جدي -يرحمه الله- ظلت تلاحقني طيلة أيام الانتقال وصوتٌ بداخلي يقول سوف يحزنه، بل يؤلمه رؤية حال هذا المنزل العامر الشامخ بعد ثلاثين عامًا ينهدم خلال أيام معدودة.
يقال إن الذكريات تُنسى مع الأيام ونستطيع أن نصنع ذكريات جديدة ولكن اعذروني هذه الذكريات، التى صُنعت في هذا المنزل لا يمكن أن تنسى أو تعاد، كانت ذكريات عميقة جداً والجميع يشهد عليها، ذكرى لأشخاص غادرونا ولم يعودوا وذكرى لأشخاص فرقتنا المسافات، ذكرى جَمعةُ يوم الجُمعة، غداء العيد معاً جميع أفراد عائلتي بدءًا من جدي يرحمه الله، لمة الصديقات وحفلات الشواء في الشتاء ورائحة الحطب والفطور بعد الانتهاء من الاختبارات النهائية والمفاجآت عند قدوم إحداهن من السفر.. لقد احتضن مراحل حياتنا.
أصدقكم القول: إنني كنت أهرب هذه الفترة من الكتابة خوفاً من مشاعر خبئتها خلف قوتي، وخوفاً من عبرات ذكريات تنفجر كالبركان، أعلم أن والدي ينتظر مني هذا النص، لكن تهربت من كتابته خوفاً من أن أزيد وجعاً على قلبه المثقل رغم إخفائه هذا الوجع.
سيبقى منزلنا في حي المربع منزل العائلة وإن أصبح حطاماً وتراباً أو نشأت مكانه عمارة بطوابق وشقق عديدة، ستبقى صورته في قلبي وإن زاحمتها ذكريات أيامي القادمة لقد بكيت وأنا أرثي منزلنا بهذا النص، وكأنني أرثي وطناً عشت فيه وسُلب مني بغتةً.
أستودع الله ذكرياتكم...
@nanomomen



