ومن لم يعاود صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر.
لقد كان هذا ديدن أبناء عسير، وقد ترسخ في وجدانهم.
«عبقرية المكان» مصطلح أكاديمي وهو يعني التفرد في سمات المكان وقدرته على صنع روابط إنسانية وجمالية بين المكان وأصحابه. والمصطلح له شقان: المكان الطبيعي والمكان من صنع الإنسان. وقد وجد كل منهما ضالته في عسير. فالمكان في عسير بمعناه الطبيعي هو صنيعة الجرف. وكما وصف المؤرخ الإغريقي هيرودوت مصر بأنها هبة النيل، فإنه يمكننا القول إن عسير هبة الجرف. والجرف لمَنْ لا يعرفه هو ذلك الانكسار الحاد في سلسلة جبال الدرع العربي، في أقصى ارتفاع لها، بموازاة البحر، ويقسمها إلى نصفين (تهامة والسراة) متباينين في كل شيء: في المناخ، في الغطاء النباتي، في العادات والتقاليد، في العمارة، في البشر والحجر.
وبدءا من جبل البلس في أقصى شمال المنطقة ومركزها بشاير الخير، إلى منفذ علب الحدودي على اليمن تتناثر الأمكنة والجروف والمطلات والقمم والشعاب والوديان وهي تطل شرقا على سراة الإقليم، وغربا على تهامته، في تكوينات تضاريسية بديعة، تجعل من الجرف تظاهرة صامتة للجمال الطبيعي. باشوت، العلاية، صدريد، النماص، تنومة، حضوة، بيحان، تية، باحة ربيعة، السودة، شعف آل ويمن، نهران، شعف آل يزيد، القرعاء، الحبلة.....أين يقف العد؟ لا ينتهي، فهذه فقط بعض مواقع الجرف، التي هي معروفة للجميع. غير أن هناك مواقع أقل شهرة وأكثر جمالا لم تستغل بعد.
ومنذ القدم حول أبناء منطقة عسير جبالها إلى مساطب زراعية تتوجها قرى وحصون يخال للناظر إليها لارتفاعها أنها هبطت من السماء، أو كأنها نبتت من الأرض، في تجل عبقري لفهم الإنسان لمكانه وبيئته. ولأن النساء شقائق الرجال، فقد كان لهن نصيب وافر من بناء المكان والإنسان، عندما زين جدران هذه الحصون بنقوش جدارية وجدت طريقها مؤخرا إلى جدران المقر العام لهيئة الأمم المتحدة.
ماذا بعد؟ مازال هناك الشيء الكثير. فقد كانت ومازالت منطقة عسير معينا لا ينضب للسواعد الفتية والطاقات الشابة والكوادر الوطنية، التي ساهمت كغيرها من مناطق المملكة في بناء الوطن، ويأتي إطلاق هذا المشروع النوعي وكأنه دعوة لتلبية نداء الواجب: واجب التنمية. هنا يقفز إلى الذاكرة ما قاله طرفة بن العبد في معلقته:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
وهنا أيضا تقفز إلى الذاكرة رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» رائعة الروائي الكبير الطيب صالح، وبطلها مصطفى سعيد الطالب النجيب، الذي ذهب لدراسة الأدب في جامعات إنجلترا، وقد عاد إلى بلاده. وربما كان هذا حال الكثير من هذه الطاقات أن تيمم وجهها نحو الجنوب لتلبي نداء التنمية. هكذا يذكر صاحب المعلقة الأجمل في الشعر العربي وإحدى أكثر الروايات العربية شهرة في العصر الحديث بشغف العودة نحو الجنوب لبناء غد مشرق، شامخ بشموخ قممه وسمو شيمه.
إن قدر منطقة عسير أن تكون وجهة سياحية إقليميا ودوليا. هذا هو قدرها، وهذه هي هويتها.
غير أن السياحة نشاط يعتمد في وجوده واستمراره وازدهاره على بنية تحتية صلبة في عدد من القطاعات التنموية من تعليم، وصحة، ومواصلات، وتنمية بشرية في معزوفة تنموية شاملة تتخذ من مبدأ «المشاركة المجتمعية» مبدأ لها.
وتبقى أبها عاصمة المنطقة بحاجة إلى مقال خاص بها...... يتبع.
[email protected]



