تخيل ما سيحدث لطائر محبوس إذا سمحنا له بمغادرة القفص؟ سيغادر وهو يحلق عاليا في السماء لأن هذه هي طبيعته الأصلية، في التحرر من القيود، لكننا نعجز أن نغادر ذلك القفص وننتظر عالقين في حالة من الشك والخوف من عدم معرفة ما ينتظرنا، رغم أن الطريقة الأنجح لحل صعوبة أي موقف هو عدم العيش في مستواه على الإطلاق، ولا بد للفرد الذي يشعر بالألم أن يتجاوز الذات، التي أوجدت المشكلة في المقام الأول، لأننا نزدهر كلما حررنا أنفسنا من كل مخاوفنا، ورغم أننا جميعا نطمح لحياة أفضل وأكثر إشراقا، إلا أننا نتردد كثيرا في السماح برحيل ما يزعجنا، وما يجرنا لأسفل، كعلاقة غير مرضية، أو اختيار مهني لا يشبع شغفنا، أو عادات سيئة تستنزف طاقتنا، والسبب في ترددنا هو أن التحدي الحقيقي في مثل هذه اللحظات يكمن في أننا يجب أن نختار لصالح ما لا يمكن رؤيته بواسطة أعيننا المادية، لكن هذ هو جوهر التسليم الإيماني العميق، بأن يتجاوز إدراكنا المرئيات ويصل لمرحلة الثقة بقوة الغيبيات، فالشجرة ترمي بثمارها الثقيلة الناضجة على الأرض، لتستعد لبدء دورة عطاء جديدة، وليس عليك إلا أن تتعلم منها وتتعاون مع القوى الكونية الداعمة لك والمسخرة لخدمتك، لتتعلم أن تكون قادرا على السماح بالتجاوز لأي مرارة عاطفية، أو هموم مقلقة أو أفكار مزعجة؛ لأن هذه الحمولة الثقيلة تكبل وجودك وتساهم في جعلك شخصا مثيرا للشفقة، ولا بد من تجاوز هذه الذات، التي تتشبث بالأطلال باعتباره رمزا للأمان والخلاص، والسماح بالتجاوز واعتباره ولادة طبيعية جديدة، فهو عمل داخلي لا يحتاج لأي قوة خارجية بل لشجاعة الاستعداد الباطني للتحرر، وهو يحدث بعفوية بمجرد أن تؤمن بوجود خيار آخر، لأن الهزيمة تأتي من التشبث بالحلول التي لا تعمل، والبقاء قابعا في حصار الخيار الوحيد وهذه هي حيلة الخوف، فبقدر استعدادك لأن تكون صادقا في مواجهة خوفك، سيكون مقدار الحرية المتاحة لك، والشيء الوحيد الذي ستخسره عندما تسمح برحيل الشيء، الذي تخشاه هو تضاؤل شبح الخوف نفسه، وهنا ستحدث الاستنارة الداخلية، لتجرؤك على المضي قدما رغم الخوف الذي تشعر به، وستتغير حالتك من الخوف للأمان الداخلي، لأنك بدأت التعامل مع الخوف بشكل واعٍ، فأنت تراقبه بهدوء وتتأمل طبيعته الهشة، دون أن تسمح له بأن يملي عليك كيفية التصرف، وكما يمكن لضياء الشمس أن يبدد ظلام ليلة طويلة، فكذلك تفعل البصيرة في مواجهة الخوف وإضاءة مصباحك الداخلي.
LamaAlghalayini@



