فعلى سبيل المثال، استغرق البخاري 16 سنة في تأليف صحيحه، وهي نفس المدة لصحيح مسلم. وأما شرح صحيح البخاري فقد أمضى ابن حجر العسقلاني 25 سنة من عمره في تأليفه. والإمام ابن حنبل بدأ في المسند سنة 184 هجري إلى 241 هجري (57 سنة! في 30000 حديث منقحة). واستغرق أينشتاين منذ عام 1905م عشر سنوات حتى يخرج لنا نظرية النسبية العامة (الجاذبية). ويذكر أن كتاب «الأغاني» للأصفهاني أخذ منه 50 سنة في تأليفه ومراجعته. بينما كتاب «قصة الحضارة» لويل ديورانت امتد 40 سنة من الجهد.
ومن المؤكد أن فكرة الكتاب والمحتوى، وهمة المؤلف في الإتقان وتحري الدقة هي التي تحدد مدة التأليف التي قد تطول أو تقصر. وبيت القصيد أني لست ضد سرعة أو طول مدة التأليف، ولكن أطلب من نفسي أولا ثم من بقية الكتاب والمؤلفين التفكير دائما في الكتاب الذي ستكون له البصمة الواضحة وطول الأثر. ولا يعني هذا ألا يتجه المؤلف إلى كثرة وغزارة التأليف، ولكن أن يضع نصب عينيه أن يكون له كتاب محدد هو الذي بذل فيه أفضل وأحسن وأعمق جهد. وهذه المسألة ليست بتلك السهولة، بل تحتاج إلى تفكير عميق في إيجاد الفكرة أولا، ثم الإلمام بها مع الدقة والتحليل والتركيز، وهذا لا يتأتى إلا بطول العناء وكثرة القراءة والاستقصاء.
ومن هذا المقال لا أريد تثبيط الشباب عن التأليف! فقد ذكر الشيخ الأديب علي الطنطاوي - رحمه الله-.. أنه إذا جاءك من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام، فلا تقل له إن هذا غير ممكن. فتفل عزيمته، وتكسر همته! ولكن أقرئه وحبب إليه النحو.
وزبدة القول وأنت في طريق التأليف والإنتاج فكر دائما ما هو الكتاب الذي سوف تصب فيه كل تفكيرك وجهدك ليرتبط اسمك باسمه؟. فمثلا، إذا جاء اسم العقاد تذكرنا كتبه في «العبقريات»، وإذا جاء اسم مصطفى صادق الرافعي يخطر ببالنا مباشرة كتاب «وحي القلم». وإذا قلت لكم أحمد أمين تذكرنا «فيض الخاطر»، والعبرات والنظرات تذكرنا بالمنفلوطي، وسلسلة «ذكريات» تشير فورا إلى علي الطنطاوي، وإذا قلنا «لا تحزن» نذكر عائض القرني. وحين نقول «دع القلق» فهو ديل كارنيجي، وطه حسين «الشعر الجاهلي»، وأفلاطون «المدينة الفاضلة» وغيرهم الكثير.
وكل ذلك لا يعني أن نختزل أعمالهم في مؤلف واحد أو نقلل من شأن باقي إنتاجهم وأفكارهم، ولكن المقصد أن كل كاتب أو مؤلف يرتبط اسمه بكتاب اشتهر به لأنه إما متفرد بالفكرة أو لبراعة الأسلوب أو لعمق الطرح والتحليل.
ومن وجهة نظري المتواضعة أنا من المؤيدين لكثرة الإنتاج وفسح المجال أمام الشباب لأن الاتجاه في كثرة إنتاج الكتب سيخرج لنا الكثير من الغث والسمين، ولكن الظاهرة بحد ذاتها هي فعالة ورائعة بحيث نجعل الشباب يتجه إلى الكتاب والقراءة والتأليف، وهو خير مليون مرة من أن ينصرفوا إلى أمور أخرى تافهة وأقل شأنا. وبناء مجتمع مثقف وواع يحتاج إلى وفرة في إنتاج المؤلفات في مختلف التخصصات والعلوم والآداب.
وأدعو كل من أنتج بحثا أو رسالة ماجستير أو دكتوراة أن يحولها إلى كتاب مناسب للقراءة لغير المتخصصين حتى تمتلئ وتغص سماء الأمة العربية والإسلامية بالكتب والمؤلفات كما كانت من قبل!
abdullaghannam@



