جيراردو رجل يعيش في ولاية تكساس الأمريكية كانت لديه مشكلة مزمنة تخلص منها مؤخرا بفضل الخدمة الطبية الجيدة، التي شخصت الحالة، ثم تعاملت معها بطريقة واقعية، وعاد الرجل يمارس حياته بدون مشاكل، ومنغصات. هذا كله طبيعي ويحدث لمعظم الناس، لكن قصة السيد جيراردو أغرب من أن تصدق، حيث عانى على مدى عشر سنوات من حالة صداع شديد، وقاتل، يدخله في نوبات من القيئ والتعرق. المهم أن الرجل أصبح أسير هذه النوبات لمدة سنوات عشر، الأطباء الأجلاء توصلوا وبصورة قاطعة بأن سبب آلام الرجل دودة شريطية تعيش في دماغه، وكانت قد تسللت إلى جسمه عبر إحدى وجبات اللحم غير المطهو بصورة جيدة. الغريب أن الدود، الذي ينتشر عند الناس، ويدخل إلى أجسامهم بطرق مختلفة يذهب إلى البطن والأمعاء ويستقر هناك، وكنا نسمع ونحن صغار بأن البعض يوجد في بطنه عش دود، أو أن فلاناً من الناس سقط، أو خرج من جسمه عش للدود. هذا بعض ما كان يتناقله الناس عن الدود، ومشاكله الصحية. وليس أكثر من ذلك بمعنى لم نسمع أن دودة شريطية تسللت إلى دماغ أحد، أو جمجمة أحد واستقرت هناك، وكانت بعد ذلك بركان ألم يثور إذا تحركت أو غيرت موضوعها. المهم في حالة هذا الرجل المسكين نجح الأطباء في إجراء جراحة دقيقة لأن الدودة في جزء حساس جداً من جسمه واستأصلوا الدودة الخبيثة، التي استوطنت دماغ الرجل لمدة عشرة أعوام تقريبا. إلى هنا ونحن نتأمل قصة جيراردو ونقول سبحان الله العقول تمرض، وتتأثر، وتتعب، من أنواع كثيرة أخرى من الدود المعنوي، الذي يعطل تفكير المرء، ويجعله أسيرا لمنهج، وخط واحد من التفكير، يُملى عليه من قبل الآخرين أهل الأهواء والمصالح. ومن ذلك الدود السياسي أو ما يمكن تسميته كذلك، الذي يعشش في أدمغة الناس لسنوات وللأسف يستمرون في أسره دون الفكاك بعلاج أو تطبيب يخفف من حالات البعض. صفقة القرن، التي أعلن عنها مؤخراً من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي ولاقت عدم قبول شديد كشفت للمراقب المحايد أن هناك دودا سياسيا يعشش في أذهان البعض، حيث روجوا لمقولات مثل رضا المملكة بالصفقة ومعاونتها للأطراف الفاعلة، وأنها إحدى الجهات الضاغطة على الجانب الفلسطيني كي يستجيب للمساهمة والتماهي مع الخطة، صوروا المملكة ودول عربية أخرى بأنها ضالعة في الخطة، وشريكة فيها، وأنهم باعوا القضية الفلسطينية، وباعوا كفاح ونضال الشعب الفلسطيني. المهم أن هذه الجهات العمياء سياسياً والمشلولة مادياً سعت وبشكل منتظم على مدى ثلاثة أعوام إلى محاولة حشو الذهنية العربية البسيطة بجملة من الأكاذيب، والفبركات، التي تمكنوا من ترويجها عبر وسائل إعلام، ومؤتمرات، وندوات وخلافه. العقل أو الدماغ عندما يمرض مادياً بأي شيء حتى إن بلغ مرحلة أن يستوطن لسنوات بدودة شريطية على سبيل المثال، فإن هناك لحظة فارقة دائمة يكون فيها الخلاص الدائم من هذا العارض عبر الجراحة الدقيقة، المشكلة في تقدير الكثيرين مرض العقول واستيطانها بالأفكار الكاذبة والمضللة، التي تروج للإضرار ببلد ما أو بعدة بلدان. بث مثل هذه الأمراض اليوم وفي عالمنا العربي بشكل خاص عمل يكاد يكون منظما ترعاه دول بأجهزة إعلام يصرف عليها المبالغ الطائلة لمجرد الإساءة إلى دولة ما، أو للتشكيك في موقف دولة ما. الأهم من ذلك اليوم أن منابر الدود السياسي أصبحت منتشرة بين الناس، وتحاصرهم بشكل غير مسبوق، وهم في واقع الحال بمختلف فئاتهم العمرية، والثقافية، والعلمية محاصرون على مدار الليل، والنهار بضخ هذه القنوات. يصل أذى منصات نشر الدود السياسي في أذهان الناس إلى الحدود القصوى عندما يصبح هم مَنْ ينشر هذه البضاعة التشكيك في تاريخ الدول، والمجتمعات، ويحاول إعادة بنائها من جديد بحسب رؤيته المريضة.
salemalyami@



