تعد آداب التعامل ركيزة هامة لبث روح الطمأنينة والاستقرار في التعاملات بين الأفراد والمجتمع رجالا ونساء، سواء أكانوا في مساكنهم أو على أرض واحدة، كما أن آداب التعامل تسعى لتأصيل الذوق وتهذيب السلوك، فهي تحفظ كرامة أبناء الجماعة والمجتمع فيما بينهم من خلال «قوانين ونظم تربوية وأخلاقية» بعيدة عن العادات السلبية التي تهدد استقرار المجتمع، وتفتت روابط قوته وتنتهك مبادئ حسن العشرة والجوار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس».
إن المقنّع أينما يحل يسقط قناعه ويجانب الصواب ليجاهر برغبات مخلة، ملحقا بالآخرين الضرر حتى أضحت الأخلاق عملة نادرة في أضيق السبل والأحوال، لا سيما وأنك في وضح النهار ترى الشمس ساطعة تدحض القبيح من القول والعمل، وإن من لا يكف نفسه عن استباحة الأعراض أو التعدي على الآخرين فقد هتك ستار أخلاقه وخسر من الحياة مراده، وشنع عليه الناس، ونبذ في بطن القانون حبيسا للعقاب، وأُبعد عن القبيلة والعشيرة منفكين منه، فكم من ثقافة بيوت أودت بأبنائها للوقوع في جهالة من السلوك اللاسوي والمنشق عن القيم الأخلاقية إلى سلوك غير حضاري في «ظاهرة تحرش» قال تعالى «أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون»..
وفي ظل غياب التنشئة الإيمانية، والتوجيه التربوي، وغياب الملهم الروحي، والقدوة النافعة، ينعدم السلوك السوي لدى الفرد الواحد، فيتلاشى ما تبقى من النقاء الفطري لحروب داخلية متسخة بعوالق عسيفة صراعها «الآخر والأذى في صوره المتعددة»، فلم يعد يسلم منهم ذكر كان أو أنثى، فتخرج النماذج المدمرة والمضطربة تلقي بسلوكها على العالمين «صاخبة مخربة» بأخلاق المفسدين.
إن الأخلاق عناوين الشعوب، والإنسانية ديدن الصالحين، فمن يرتاد جلباب الفضيلة وثوب الوقار ليتساهل في إزعاج الآخرين، ويلوذ بأذيتهم مستترا عن أعين الناس خائفا، فهو مبطن باللؤم خائن للأمانة ناكث للعهد، ما عاون ولا أعان، فأين الحياء والشجاعة والحلم وقد أوغل في النفوس أحقادا وعند الله هم درجات، «والله بصير بما يعملون» وقال تعالى (إن الله لا يحب كل خوان كفور).
لا تكونوا رموز شر في بيوتكم
إن الاختلاف والتنازع في التربية «السوية الوسطية» وعدم الاعتدال والثبات في التوجيه والإرشاد والميل إلى تصدير التطرف والتهديد أو التسلط أو التحريض بكافة أشكاله على أفراد الأسرة أو المجتمع، يخلق الخنوع والذلة في نزعة مكبوتة في شخصية (نصف راجل) لدى الطفل حتى يكبر، ونزعة الانتقام عند الفتاة ساعة الصفر، فيقل الذكاء العاطفي والعقلي، وترتفع معايير التمرد والانتهازية والأنانية بدلا من الثقة والمسؤولية، وتصبح «السيطرة والكره» هي اللغة السائدة في هذه الأسرة بدلا من الحب والتغاضي، وهذا شتات كبير وتدهور في بناء «الشخصية السوية» التي خلقها الله مفطورة على البراءة والطهر، كـ«ناب» صراع تعتصره الشكوك حائرا لا يجد موجها ولا معينا، ولأن الخير يقف عاجزا أمام طغيان الشر، فيخرج الشاب مقنعا على المجتمع «مؤذيا فظا غليظا» لا يسلم الناس من يده ولا من لسانه؛ لأنه يخاف من نقمة أبويه «ويرتضيهما» ما استطاع إلى ذلك سبيلا، حتى عاد متخما بالشر جاعلا من يراه يدعو على من رباه.
«إن ما يُبنى يُهدم وما يُهدم يبنى لكن لن يعود كما كان»..
ختاما:
جاء شاب إلى حكيم فقال: إنّ في نفسي ذئبين يتصارعان أحدهما يدعوني للخير والآخر للشر.. فمن سينتصر؟
فقال الحكيم: سينتصر الذي تطعمه.. أصلحوا من أنفسكم لينصلح أولادكم.



