وعندما رأيت محاضرة للمحامية الفيلسوفة المكلفة بالدفاع عن المجرم النازي آيخمان، الذي حوكم منذ سنوات، لفت انتباهي دفاعها الشديد عن شخص ذلك المجرم – وهي اليهودية الديانة، وقد أعدم ذلك النظام النازي، الذي يمثل آيخمان أحد أركانه، الآلاف من اليهود في معسكرات الاعتقال والتعذيب – ومحاولتها الفصل بين أفعاله بوصفه فردا ينفذ تعليمات الحاكم الشمولي (رأس النظام)، وبين أجندات ذلك النظام وأفكاره السياسية والاجتماعية. وعندما هب بعض الحاضرين معترضين على مقولاتها، وأنها بهذا تصبح ضمن فئة اليهود الذين كانوا قد تعاونوا مع النظام النازي للإبلاغ عن بعض أفراد الفئة الأخرى المقاومة للاضطهاد والمحافظة على حق الشعب اليهودي في العيش الآمن في بلدانهم، هدأت من روعهم، وأبلغتهم في استعراض فلسفي شديد التعقيد، لكنه بالغ الفائدة في مقاومة عناصر الشر الكبيرة من خلال تجريد أفعالها وإبرازها بوصفها أفعالا تستحق الإدانة والتشهير والملاحقة بغض النظر عن مرتكبيها. وهذا الفصل بين الفكرة (والفعل المرتبط بها بالطبع) من جهة، والمنفذين لتلك الأفكار تجعل أفكار الشر ماثلة للعيان، ومحددة في كل زمان ومكان، وغير مقبولة أن يتبناها أحد، دون ربطها بأفراد ربما تنتهي فكرة الإدانة بالحكم عليهم والانتهاء من قضيتهم.
وركزت كثيرا في محاضرتها وردودها على المتسائلين والمتهمين إياها، بأنها تفرط في حقوق المجني عليهم، وبأنها تقلل من حجم مجرمي الحرب من مثل وزن آيخمان وغيره، ففصلت ردودها بأن محاولة الفهم لحدوث تلك الجرائم الكبرى، وإدراك أبعاد أن ينفذ الناس رغبات حاكم مستبد ومجرم كالزعيم النازي هتلر، تنفيذا أعمى دون تردد، مهمة جدا لاستمرار فكرة الابتعاد عن مصادر الشر وتوخي الحذر من الوقوع في ربقته، وأن الفهم لا يعني بأي حال من الأحوال المغفرة. وقد أرادت أن تقول بأن عدم الفصل بين الفعل وفاعله، من أجل تجريد الفعل وإظهار مدى فداحته، يؤدي إلى عجز البسطاء الذين يتلقون الأخبار من وسائل الإعلام إلى الانتهاء من الموضوع بعد الإدانة. وهذا يدفعهم إلى عدم التفكير في عواقب تلك الأفعال المشينة، ويضعف لديهم القدرة على التمييز بين الخير والشر، وبين جوانب الحياة الإيجابية بكاملها مع الطبيعة والكائنات الأخرى ومستقبل البشرية في مقابل الحياة السلبية في التعامل مع أي من هذه العناصر. فالاتجاه الأول يؤدي إلى تجنب الكوارث في اللحظات الحاسمة، وباستمرار في كل الأزمنة والأمكنة ولدى كل من يتعظ من ذلك الإيضاح، بينما يتمثل الشر في الاتجاه الثاني من خلال أشخاص يجري التخلص منهم بسهولة!



