بعد أن تمت عملية اغتيال الإرهابي أبو بكر البغدادي، قرأنا الكثير من التحليلات عن شخصيته وتوجهاته والحديث عن القوى التي تقف وراءه. وبعض من تحدث عن كيفية صناعته أناس يعتبرون أنفسهم من المفكرين وقاموا بوضع لمسات نظريات المؤامرة دون الالتفات إلى الواقع في كيفية بروز شخصيات تميل إلى القتل والعنف وسط مناطق النزاع في العالم. وعادة يكون تقاطع المصالح بين الدول مع أي حركي أو إرهابي أو مناضل أهم أسباب سرعة البروز لأي من هذه الشخصيات. وهذه الشخصيات تحتاج إلى عدة عوامل لكي تستطيع التأثير والبروز في ساحة القتال. وأهمها وجود دعم مادي مهما كان مصدره، وكذلك ضرورة وجود مساحة جغرافية للتحرك. وأحد الأمثلة هو أن بعض مواطني إيرلندا الشمالية وقت تصادمهم مع بريطانيا كان جزء من الموارد المالية يأتيهم من نشطاء من الديانة الكاثوليكية في الشرق الأمريكي بالرغم من عمق العلاقة الأمريكية - البريطانية. وتشي غيفارا ساندته القوى الشيوعية نكاية بأمريكا.
وفي عالمنا كان هناك بن لادن والزرقاوي والبغدادي الذين تم تهيئة موارد مالية ومساحة مفتوحة للتحرك. ولكن في نهاية الأمر فمثل هؤلاء لا يأتون فجأة. بل إنهم يكونون أيديولوجيا جاهزين للتحرك ما دام أن هناك منطقة نزاع وحاجة لأيادٍ تنفذ أجندات دول. وبمعنى آخر فلا بد من الاعتراف بأن جهات إرهابية مثل جبهة النصرة أو داعش أو القاعدة هي ليست بالضرورة صناعة استخباراتية، بل إنها منظمات تم استغلالها وتمددت وخرجت عن السيطرة. إذ كيف تكون مثلا داعش أو القاعدة صناعة غربية في ظل تواجد آلاف من مختلف الجنسيات انضموا لها وساندوها وحاربوا معها وفي نفس الوقت كارهين للغرب. وخلق الأعذار وعدم الاعتراف بوجود مثل هذه المنظمات والقادة الإرهابيين هو عدم الاعتراف بوجود أي نوع من النزاع والاقتتال في مناطق النزاع في البلاد العربية رغم ما نراه من قتل وتعذيب يتم نشره في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. وقد رأى الجميع ما يتم بثه من تأجيج وتجنيد من أناس معروفين بأسماء صريحة لشباب صغار للانضمام لهذه المنظمات الإرهابية وبعدها نقول إن الغرب وراء ذلك. ورمي كل ما يجري بأنه تخطيط من الغرب هو في الحقيقة الهرب من الواقع المرير الذي تعيشه المنطقة العربية بنسج سطور متناسقة عن نظريات المؤامرة. ولكن وفي نهاية المطاف هو أن هناك أمورا تجري أحداثها لأسباب كثيرة والدول الغربية مهما بلغت قوتها الاستخباراتية لا تستطيع تسيير كل الأمور حسب ما تراه إذا لم تكن هناك بيئة خصبة لتنفيذ أجنداتها.



