حينما يأتي التأكيد من رأس الدولة وأعلى هرم السلطة، على أن المملكة ماضيةٌ في سياساتها الحاسمة تجاه مواجهة الفساد، وتنظيف الساحة الوطنية منه، وحماية المال العام بكفاءة الإنفاق، وهو ما أعلنه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ خلال ترؤسه مجلس الوزراء الثلاثاء الماضي، فهذا يعني أن اللجنة المهتمة بهذا الأمر، والتي يرأسها سمو ولي العهد، والذي قدّم للمقام السامي الكريم تقرير أعمالها النهائية مطلع الأسبوع الماضي، وإن اختتمتْ أعمالها، إلا أن عملها كان بمثابة «تنفيض السجاجيد» لتجهيز أرضية النزاهة التي ستكون هي القاعدة، وستبدأ بعدها أنظمة مكافحة الفساد، وملاحقة المفسدين، والعابثين بالمال العام، وفق ضوابط دقيقة حاكمة لا مجال فيها لأي تسويات، لأن اللجنة أسستْ الأرضية الصلبة، ورتّبتْ الحقل لاستزراع النزاهة بالمياه البيضاء، ومنعتْ نمو الطفيليات، وسدّت كل الثقوب التي قد تسمح لأصحاب النفوس الضعيفة بالتسلل من خلالها بحثا عن الكسب غير المشروع، وبمعنى أوضح إننا أصبحنا اليوم نحتكم إلى ضوابط دقيقة لا مجال فيها لكائن من كان للالتفاف عليها، أو مخاتلتها، بعد أن وفرت المحاسبات الماضية البيئة النقية التي يمكن أن تؤسس لمستقبل بالغ النقاء، لا مكان فيه لفاسد، ولا مجال فيه أصلا لتجاوز النظام الذي سيكون فوق رؤوس الجميع.
وتأكيد الملك – حفظه الله - أمام مجلس الوزراء، هو بمثابة إعلان تطهير البلاد من الفساد، وفي نفس الوقت إعلان تحصينها من هذا الوباء الذي تشكو منه الكثير من الدول، ويؤثر بالتأكيد في عمليات نموها بنسب مختلفة، ونجاح المملكة في هذا المضمار ليس لأنها استطاعتْ أن تسترد الكثير من الأموال وحسب، ولا لأنها وضعتْ قواعد صارمة لمطاردة الفساد وحسب، وإنما إلى جانب كل هذا، لأنها ذهبتْ لاستئصال الفساد من جذوره، وتعاملتْ مع قضية الفساد بميزان السواسية بين كل الناس دون أي مراعاة لموقع، أو صفة اعتبارية، أو جاه، أو وجاهة، وهو ما أكسب تجربة المملكة سمتها الخاصة التي نالتْ رضا المواطن في الداخل، واحترام العالم أجمع الذي وجد فيها الصيغة العادلة التي لا يمكن تكرارها بسهولة في أي مكان، لأنها تحتاج أول ما تحتاج إلى قيادة لها معايير قيادة هذا الوطن التي لا تأخذها في الحق لومة لائم.



