يقول الدكتور غازي القصيبي رحمة الله «من أعلى مراتب التوازن النفسي أن لا تسعى لتصحيح الظن السيئ بك، من أكرمك فأكرمه، ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه». خرج البيان السعودي وأوضح كل الحقائق المتعلقة بقضية جمال خاشقجي، والملابسات التي جرت في حادثة اختفائه بكل تجرد وشفافية وواقعية، وقطع الطريق على القافزين إلى الحقيقة والذين استمدوا معلوماتهم من الأكاذيب والشائعات، محاولين استغلالها سياسيا ضد المملكة. وبحسب البيان وما كشفته التحقيقات الأولية فإن المواطن، جمال خاشقجي، مات إثر شجار داخل القنصلية السعودية في تركيا مع عدد من المشتبه بهم سعوديي الجنسية، بعدما كانت المعلومات التي تنقل للجهات الأمنية تشير إلى مغادرته القنصلية. وأن التحقيقات مستمرة مع 18 من الموقوفين على ذمة القضية، وإن السلطات السعودية ملتزمة بإبراز الحقائق للرأي العام، ومحاسبة جميع المتورطين وتقديمهم للعدالة بإحالتهم إلى المحاكم المختصة في السعودية. وبالتالي فالسعودية نجحت بفصل المسار القانوني للقضية عن الاستغلال السياسي الذي واجهته منذ وقوع الحادثة. ما أود الإشارة إليه بخصوص البيان أمران رئيسان:
الأمر الأول: إن فريق التفاوض مع خاشقجي تجاوز صلاحياته واستخدم العنف وخالف الأوامر، مما أدى إلى وفاة خاشقجي. وعلى إثر ذلك فقد اعتقلت السلطة -إثر عملية القتل- 18 شخصا سعوديا على ذمة التحقيق، وأعلنت السعودية عن التزامها بتقديم جميع المتهمين إلى العدالة، ومحاسبة جميع المتورطين بالحادثة. فما جرى من قتل للمواطن السعودي جمال خاشقجي أمر غريب عن مجتمعنا وأعرافه الاجتماعية التي ترفض ولا تقبل به، ولذلك وجدنا أن تلك الحادثة السيئة كانت مبعث اشمئزاز لكافة أطياف المجتمع السعودي ولم يكن هناك خلاف على استنكار هذه الحادثة. والمجتمع السعودي كله ينتظر استكمال التحقيقات ومحاسبة كل المسؤولين على هذا العمل الفظيع. إلا أنني أزيد، أن مسألة إساءة استعمال السلطة وتجاوز صلاحيات العمل في الأجهزة الأمنية مسألة تجري في كل دول العالم، رأيناها في «فضيحة سجن أبوغريب» وقضية الحارس الشخصي لماكرون «ألكسندر بينالا» الذي أبرح متظاهرا ضربا وفضائح الجيش الأمريكي في أفغانستان الذين قتلوا الكثير من المدنيين الأفغان كنوع من الترف وغيرها كثير. فهذه التصرفات الفردية، الرادع الأساسي لها هو المحاسبة الجدية والشفافية من قبل الجهات الرقابية.
الأمر الثاني: بحسب مسؤول سعودي الذي نقلت وكالة «رويترز» للأنباء عنه، أن مسؤول العملية اعتمد على توجيه سابق بمفاوضة المعارضين للعودة، وأن التوجيه السابق بالتفاوض لم يستلزم عودة المسؤول لنيل موافقة القيادة. وبالتالي فالتعامل مع القضية كشف وجود خلل هيكلي في جهاز رئاسة الاستخبارات العامة، وأنه لا يلتزم بخط القيادة السياسية ويتصرف خارج إطار السيطرة. وحتى يمنع حصول مثل هذا الخطأ الجسيم مستقبلا شملت الإجراءات التصحيحية تشكيل لجنة وزارية لإعادة هيكلة الجهاز لضمان مسيرته ضمن الضوابط المحددة. وأي جهاز أمني بالعالم يخضع لمراجعة وتحديث وإعادة تقييم بشكل دائم لضمان عدم خروجه عن السيطرة، وضمان انضباطه وتجنب سوء استخدام السلطة.
السعودية لن تلتفت إلى الحملة الشرسة التي شنها الإعلام المرتبط بالإخوان المسلمين، والذي استمد معلوماته من الأكاذيب والشائعات، فهذه القضية سوف تكشف حقائقها الكاملة بعد الانتهاء من التحقيقات، ثم تأخذ مسارها النظامي المتبع في المملكة وتصل للقضاء ويتم محاسبة المقصرين والمسؤولين المباشرين، لا شك عندي في ذلك، فالقضاء السعودي يتمتع باستقلالية كاملة. لكن السعودية لن تقبل استغلال هذه القضية سياسيا بناء على اتهامات مرسلة.