لم تكن الصحة الجسدية هي المؤشر الوحيد لسلامة الانسان وخلوه من أي عائق قد يحول بينه وبين الاستمتاع بهذه الحياة والعيش بشكل أفضل , بل إن العامل النفسي أبدى أهميته من خلال ما يشكله من خطر إن أصابه اعتلال أو فقد صاحبه السيطرة عليه مما قد ينعكس سلبا على الصحة الجسدية أيضا , أذ انهما مرتبطان ببعضهما البعض , فالكثير من الامراض العضوية قد يكون سببها الأساسي مرض نفسي لم يعطى حقه من العناية والاهتمام مما جعله يؤثر على الأعضاء الجسدية بشكل أو بأخر .
وفق منظمة الصحة العالمية يعاني اكثر من 300 مليون شخص حول العالم من الاكتئاب , إلى جانب أكثر من 260 مليون شخص من التوتر, وهذا ما قد يكلف الاقتصاد العالمي الكثير , و يشعرنا بحجم خطورة الامر الذي يجعل من هذه الاعداد الهائلة قنابل موقوته قد تفجر نفسها ومن حولها في أي لحظه , فالاضطرابات النفسية لا تُختزل في نوع واحد ولا تؤثر على صاحبها فقط بل قد تمتد على عائلته و محيطه و قد يمتد أثرها ايضا إلى مجتمعه , فالكثير من الاعمال التخريبية التي حدثت في الكثير من البلدان كان أساسها اضطراب نفسي ما , لم يعالج بالشكل الصحيح ولم يتم تقويم السلوكيات السلبية فيه , وفي أحيان أخرى لم يتم اكتشافه أصلا , وهذا ما يدل على قلة التوعية بأهمية الصحة النفسية للفرد و على المجتمع .
في خطوة جريئة لم يكن هذا عامها الأول يحتفل العالم في العاشر من أكتوبر من كل عام " باليوم العالمي للصحة النفسية " والذي انطلقت شرارته منذ عام 1992م , إذ يهدف إلى تعزيز الوعي بقضايا الصحة النفسية من خلال ما يتضمنه من مناقشات وتبادل الآراء حول توظيف كافة الجهود لتوفير بيئة نفسية صالحة والعمل على حل المشكلات التي تعترض السلامة النفسية إن ما يشعر به المريض النفسي من عدم إتزان وما يخشاه من نظرة المجتمع له لأمر ليس بالهين , فالشعور بالقلق من ان يعرف احد بمرضه قد يجعله يتجنب الحلول العلاجية و اللجوء إلى المختصين , فالكثير يرى أن المرض النفسي بمثابة "وصمة العار" يحاول إخفائها بقدر المستطاع , وقد يكون المجتمع هو من ساعد على بلورة هذه الفكرة و تأجيجها في عقول الكثير , ولكن الحملات التوعوية الحالية و الدورات التدريبية والندوات كفيله بأن تغير هذه الصورة , وكذلك الاسرة و المحيطين بأي شخص مضطرب هم السفينة التي قد تنجيه و تشد على يده ليخلع تلك النظارة السوداء و يتعرف على العالم من جديد.



