DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

اختبار

اختبار

اختبار
فوجئت حين قرأت المقال السابق في هذه الجريدة الغراء، فقد أرسلته من ورقتين اثنتين ولم ينشر منه إلا ورقة واحدة هي الأولى، أما الثانية فقد اختفت، وأصبحت صفة «الأبتر» لائقة بالمقال، وهنا كانت مهمتي أن أبحث عن الجزء الثاني وكيفية اختفائه. تأكدت أولا من إرسال الورقتين ثم طردت من ذهني احتمال أن يكون المسئول عن صفحة «الرأي» قد نسيها عمدا أو سهوا، ومنعت الظن من الاقتراب من أنها اخفيت رقابيا، ولم يبق احتمال من الاحتمالات إلا طرت معه جوا وخضت معه بحرا وسرت واياه برا حتى الربع الخالي. أيها الجزء الأزعر أين أنت؟ بعد حين من الصمت «الثرثار» سمعت صوته قادما من بعيد يناديني: انتظر قليلا سأجيء إليك، جاء لاهثا من الركض، وأوضح لي لماذا اختفى هو بنفسه عامدا.. قائلا بصوته الورقي العذب: اختفيت لأنك قلت فيّ: إنك من الآن فصاعدا ستكتب تحت شعار «الإنشاء للإنشاء» فخجلت من الظهور أمام الناس. وهنا استبد بي الغضب وكبلته من الرأس إلى القدم وهأنا أقدمه لكم على رغم أنفه. كتبت عشرة عناوين على ورق صقيل معطر، وكان قلمي مغمض العينين، وكانت إرادتي تتشمس خارج غمدها، وكانت رائحة الحرية من بعيد تمسك بالقمر وتضعه في يدي.. ثم وجهت السؤال التالي إلى وجهي في مرآة الأحلام: هل تستطيع الكتابة في أي واحد من هذه العناوين؟! وأجبت بسرعة: كلا.. لن تستطيع. وهنا اندلعت فوهة الأسئلة: لماذا لا تستطيع؟ ما هي المعوقات؟ هل أنت خائن؟ أم أن جهلك بالمضامين المطروحة في العناوين هو السبب؟ ووقف التاريخ والجغرافيا معا ليمداني بالإجابة وقالا بلسان يتلعثم قليلا: نحن معا اللذان زرعنا العجز فيك وسلبنا قدرتك على الإجابة أو على كتابة هذه العناوين الواضحة. وراحت ذاكرتي تركض في وديان التاريخ العربي الجرداء وكهوفه المظلمة، وخاضت ما فيه من مستنقعات الاحتقار للبشر وهدر كرامتهم، ورأيت بروق السيوف تنحدر بالدماء من كل الجهات.. الأمر الذي ملأني قناعة أن هناك ما يبنغي أن نسميه: (الخوف التاريخي) الذي ينزرع في شرايين الأمة ويورثه الأب لابنه وحفيده على امتداد هذه السنين المترامية الأطراف من العصر الذي نسميه جاهليا إلى هذا العصر الذي فصل البشرية بين مجتمع يتمتع بالحرية ويستطيع الكتابة في أي موضوع يريد، وبين مجتمع إذا رأى ظله أصيب بالإغماء. الخوف «الوراثي» هذا لم يزرع أشواكه التاريخ وحده.. بل اشتركت معه الجغرافيا: فكثيرا ما نرى مناطق في البلد الواحد مختلفة المواقع في درجات السلم الحضاري.. وإذا كانت لنا نظرة -ولو ضيقة- نحو تاريخ المجتمعات فأغلب الظن أننا نستطيع «تربية الأمل» في فتح النوافذ الصغيرة للضوء، لأن المجتمعات الأخرى مرت بنفس العثرات، ولكنها استأصلت -أو كادت- هذا الخوف التاريخي. أما إذا كنا نهوى الأوهام والجلوس في الأفياء فليس أمامنا إلا طريق واحد، هو أن نتعلم قواعد الإنشاء من جديد، ونكتب عن رحلة الأسبوع إلى شاطئ نصف القمر، أو قسوة تأخر مجيء العاملة المنزلية أو غلاء السمك، ثم نركب جناحين لكل كلمة ونفهمها أن الفضاء معبد من تحت قدميها حتى مطلع الشمس. أنا لا تردد عندي في سلوك الطريق السهل، سأتعلم قواعد الإنشاء من جديد، وسأكتب عن جزر الواق واق التي لا يعرفها أحد؛ حتى يسهل علىّ أن أكتب عن الإنجازات لكتابها والفتوحات لشعرائها، وعن مستوى الرجال ومدى تولي المرأة شؤونها بدون ولي أمر، ثم ألعنهم على هذه الحرية الفاسقة.
المزيد من المقالات