أثار شجوني وأضاء عاطفتي ذلك المقطع من الفيديو الذي أرسل على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي. حيث قام أحد المعلمين بتجربة معبرة على بعض الشباب من طلابه. فقد طلب منهم أن يتحدثوا إلى آبائهم عبر الجوال ليخبروهم بحبهم لهم. وكانت ردة فعل الآباء متفاوتة، ولكن ما يهمنا هو ردة فعل الفتية الصغار حيث إن أكثرهم أجهش في البكاء مع أن المكالمة كانت قصيرة، وتحتوي كلمة واحدة فقط، ولكنها كانت معبرة وجياشة وهي كلمة " أحبك ". تلك الكلمة أخرجت مكنونا من المشاعر ربما كانت حبيسة القلوب عند أولئك الشباب منذ نعومة أظفارهم.
أعتقد أنها ثقافة المجتمع التي تعودت على كبت تلك المشاعر عن بعض الفتية لأنهم ربما تربوا على مفهوم أكبت مشاعرك لتكون رجلا !. وقد قام أحدهم ممن أعرف بنقل التجربة إلى نفسه، حين تأثر بمقطع الفيديو، فقام بالاتصال على أحد أصدقائه المقريين، وبادره من أول المحادثة بكلمة " أحبك" ، فقال له صديقه مغاضباً مستنكراً: عيب عليك، وش ذا الكلام الفاضي !
فكرت بعد ذلك في ردة فعل ذلك الشخص، فنقلني عقلي وخيالي مباشرة في مشهد جميل إلى الوراء أربعة عشر قرناً حين أخذ حبيبنا عليه الصلاة والسلام بيد معاذ -رضي الله عنه- وقال له: يا معاذ إني والله لأحبك، فقال معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا والله أحبك، فقال : أوصيك يا معاذ لا تدعن دبر كل صلاة مكتوبة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. ذلك المشهد الرائع هو دلالة واضحة على قمة الرقي والإنسانية والمودة، وعلى أهمية توطيد الروابط الأخوية والأسرية.
وفي مشهد آخر من تلك الفترة الذهبية المثالية للأمة نجد أن أعظم إنسان عرفته البشرية بلا منازع وهو الرسول صلى الله عليه وسلم صرح بها أمام الملأ. فقد جاءه عمرو بن العاص -رضي الله عنه- يسأله لما رأى من الحفاوة والمودة التي أبداها له الرسول عليه الصلاة والسلام مع أنه أسلم متأخرا، إضافة أنه لم يخجل أن يسأله عن قضية المحبة! فقال له: أي الناس أحب إليك قال: عائشة، قلت من الرجال، قال أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر، فعد رجالا فسكتُ مخافة أن يجعلني في آخرهم.
إن المعنى الظاهر والجلي لفترة العهد النبوي كان فيه الكثير من الرحمة والحب والمشاعر والمودة في المجتمع على عكس ما يصوره بعض المستشرقين غير المنصفين، ومن تبعهم للأسف من بعض أبناء العرب والمسلمين ! إن ذلك العصر النبوي لابد أن يدرس من كل الجوانب والزوايا حتى لا ينشأ القصور عند البعض في الفهم والخلط، والتأويلات الخاطئة الجامحة، وحتى نضيق الخناق على انتشار البغضاء و التعصب الذي قد يؤدي إلى مسلسل لا ينتهي من التشكيك والطعن في المعتقدات والنيات !. لقد بلغت عظمته ورحمته عليه الصلاة والسلام حتى مع الأعداء، وفتح مكة خير شاهد للعالم وللأجيال من بعده. وقد اقتدى بذلك النهج يوسف بن أيوب ( صلاح الدين الأيوبي) حين فتح القدس ( ردها الله إلينا عاجلا غير آجل ) ، فأظهر الصفح والعفو لأن العنف يولد العنف في دائرة مغلقة لا تنتهي أبدا. وأما سياسة العفو عند المقدرة فهي التي تُكسب بها معركة العقول والقلوب، وتداوي الأحقاد وأمراض التفرقة النفسية الخفية، وهي التي توحد الصف.
ولذلك لابد أن يعلم العالم أجمع أن هناك مساحات أخرى شاسعة في ذلك العصر النبوي الجميل لحياة متوازنة من الداخل إلى الخارج، ولذلك هم- رضوان الله عليهم- عاشوا وماتوا حقاً سعداء الأرواح والقلوب، وتلك أمنية كل حي!