تسابق غريب وخوف أغرب، همّ كالجبال تم توريثه للصبية والفتيات الذين يرون التضارب بين ما يرونه وبين ما يسمعونه يتعجبون من حالة الاستنفار الغريبة التي تحصل في المنازل قبل شهر رمضان والأدهى يرون العجب في هذا الشهر والذي أصبح هو بحد ذاته مسلسلا من ثلاثين حلقة تعود بعده صاحبة البيت إلى الراحة والاستجمام وترك زمام الأمور بيد العاملة كما هي العادة، وكأنها تكون في سبات عميق تفيق خلاله في هذا الشهر لتندب وتشجب وتشتكي ضيق الوقت وتعب الجسد ثم تعود مرة أخرى بعد تمام الشهر لسباتها، والمشكلة لا تكمن بهذا الجانب فلقد تعودنا على هذه الأمور ورأيناها بأم أعيننا، المشكلة تكمن في العائلة التي ابتليت بأطفال قد تجاوزوا الحد غير الطبيعي في السمنة والذين يعتبرون مشكلة لدى الأهل لان عملية الصيام مرهقة بالنسبة لهم نفسيا وجسدياً فتجدهم يتقلبون طوال النهار بين الأجهزة والنوم حتى تحين ساعة الانقضاض فينهالوا على كل ما يمكن تداركه في تلك اللحظة التي تعتبر بالنسبة لهم فرحة لا تقدر بمال، والتي تضاهيها فرحة بلوغ اليوم الثلاثين من الشهر ليتنفسوا الصعداء بانتهاء شهر العذاب (كما يطلقون عليه).
من المحاسب هنا؟؟
من المسؤول؟؟
لست أتكلم عن السمنة المفرطة أو عملية الأكل التي لا تتوقف إلا خلال هذه الساعات وطوال العام يكون الأكل المتنفس الوحيد لهم؟ بل أتحدث عن مسؤولية فهم وإدراك هذا الشهر، فهم ماهيته، ما جزاؤه، لماذا نصومه، لماذا أقره الله سبحانه وتعالى علينا، ما هو الأجر المترتب عليه، لماذا سمي شهر القرآن.. إلى غير ذلك من هذه الأمور المفروضة على الوالدين غرسها في ابنائهما. ناهيك عن النساء واللاتي يجعلن هذا الشهر شهرا زاخرا بما لذ وطاب من المأكولات والتي تنتهي بمجرد الانتهاء من رمضان. ما الذي يفرق هذا الشهر عن غيره في قضية الأكل؟ لماذا لا تكون سيدة المنزل على تواصل مع هذه الأطعمة طوال العام حتى لا توحي لأهل منزلها أن هذا الشهر يتميز بالأكل المتعدد والمنوع فيرتبط ذلك بذهن الأبناء فتكون المعضلة بأنه يكون شهر أكل لا شهر خير وأجر وعتق ومغفرة، واضف إلى ذلك حين تلوم ابن العاشرة على تخاذله بالصيام أو غيره تجد لساناً حادا ينهال عليك بكلمة (حرام صغير)، أين نحن من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» وقس على ذلك جميع العبادات والتي لابد من غرسها بنفس الأبناء منذ سن السابعة ليشبوا محبينً لها لا كارهين لاحساسهم بأنها قيدت حريتهم وملذاتهم وشهواتهم.
انتقدنا جيل آبائنا الجاهل غير المتعلم لأمور عدة وتفننا في الكيل لهم بكلمة (انتم تجهلون هذا الأمر) (كنتم في جهل) (ضيقتم علينا) (حرمتمونا الطلعات) ( خليتوني أطبخ وأنا بزر) .... إلخ
ووالله إني لأشهد بأن هذا الجيل غير المتعلم والجاهل قد أحسن التربية والزرع أفضل من الجيل المتعلم الذي أصبح وسادة لأخطاء أبنائه ودرعاً لسوء أدبهم ولساناً سليطا لمن أراد تقويمهم من الأقارب.. ولاحول ولا قوة إلا بالله .
أما آن لنا أن نعود لما تربينا عليه ونربي أبناءنا كما تربينا على أيدي والدينا وننشئ حقاً جيلاً يُعتمد عليه.. أم سنظل في هبوط للهاوية ثم نبدأ بالشكوى من العقوق منهم وتخاذلهم عن أداء الطاعات.
كل عام وأنتم والأمة الإسلامية بخير وأمن وأمان.